ثعابين سعيد جوهر !!
الكاتب : ناصر ناهي الشمري

– غضب مني سعيد ، وقال :
– إلى متى تستخدم اسمي بطلا لقصصك الممتلئة برائحة الياسمين والموت والجنون ؟!
– قلت له :
– هي قصص حقا .. فأنا لاأدري .. لعلني أكون سعيدا رغم سقوطي مرتين ، وفي نفس الحفرة !!
******** ******** ******** ********
– رأى سعيد بن جوهر ، وهو ممسك بكف والده الضخم – لأول مرة – ثعبانا أسودا طويلا يزحف إلى جهة صخرة كبيرة سوداء في صحراء قاحلة ، صخورها كثيرة ، وقبل ان يعدمه والده بحجر متوسط الحجم ، قال :
– انتبه ، فسيكون عندك عندما تكبر مثل هذا الثعبان ، صوت فحيحه يرعب سعيد ، وهو يتقلب من حرارة الموت .. هناك غربان مجتمعة على جثة حيوان نافق متحللة ..
– أغلق سعيد عينيه حتى لايرى عملية الإعدام التي يمارسها والده بلذة وتشفي ، فقد كانت علاقته بزوجته دائمة التوتر والخلاف بسبب سعيد الوحيد ، لقبه المسموم ( بيضة الديك الأسمر !! )
– تذكر حجر والده ، صراخ أمه ، واختبائها معه تحت الدرج هروبا من نوبة غضب أبيه المدمرة .
– سألها ببراءة الأطفال :
– البرد لم يأت ياأمي ..
– هل تؤثر هذه المشاهد على ذهن سعيد ؟! لنشاهد آخر المواقف التي حصلت بينه وبين زوجته الثانية بعد أن انتهى من ردم الحفرة الأولى .
– طلقهاثم اضطربت وماتت ، وهي تناديه في غيبوبتها خوفا من عار الطلاق والعقم ..
– لحظات ويصرخ الجهاز بصوت متصل ، يهز الطببب جهة القلب .. مرة بكفيه فوق بعض ، ومرة بجهاز الصدمة لافائدة ، ينتهي العذاب .. يبتسم سعيد من الأذن إلى الأذن .
– من المستشفى خرج ، وبيده شهادة الوفاة ، أزمة قلبية نتيجة لانفعال عصبي شديد .
– كل ماحصل بعد مدة قصيرة ينساه ، فهو يعرف أن العربة ستتوقف في منتصف الطريق ، ويندب حظه بكلمة أخخخ ..
– بكل كياني سأبقى معك .. تكفيني الساعات الكثيرة مع أبي بعد خروجي من المدرسة ، وحين العودة على دراجتي بالليل ، تنزل الدموع بسرعة ، وتجف من الهواء بفعل سرعتي الجنونية ، وأنا أطارد قطط الحي لاانشغل عن دموعي التي لا اعرف سببا منطقيا لنزولها كل ليلة بعد انتهاء دوام الصفع ، والركل ، والغضب ، لذا أكره شيئين في حياتي :
– الليل والمدرسة فهما الوحيدان اللذان يذكِّران أو يذكُران عجزي وفقري ..
– عجزي أن أرضي والدي ولا اخطئ كثيرا في مسك الحديد أو مناولته أي شئ يطلبه بغضب ..
– عجزي مع بداية العام الدراسي على توفير لوازم الدراسة ، وكم يضحك بوجهي الألم والحسرة ، وانا أرى غيري يزهو كالطاؤؤس بثيابه البيضاء أو ملابسه الرياضية الجميلة في أول يوم من أيام الدراسة ؟!
بعد هذا يسأل السائل :
– لماذا لاتبتسم ياسعيد ؟!
– هوالفقر الكافر ..أقسى جوااب لسؤال ، إن دخل من الباب ، خرجت كل مشاعر الحب والعطف والاهتمام ..
– أبي الفارع الطويل ، متين البنيان الحزين الذي يشبه طلاب المدرسة المتأخرين دراسيا ، بتندرون علي بسبب عدم تغييري لثوبي الوحيد أما لباس الرياضة ، فلم تستطع أمي استعارته من الجيران ..
– لم استطع صفع أحدهم ، ربت على كتفي قائلا :
– مبروك غيرت الثوب !!
– تعال ياأبي ، وانتقم لي منهم بل قف هناك ، وبالإشارة أقول لهم :
– هذاااا أبي !!
– أمر على أمي في بيتنا الضيق المنحوس ، اركن دراجتي – المزخرفة والملفوفة باللاصق الأبيض والأصفر – بجانب الباب ، بالمناسبة بابنا من غير ( كالون ) .
– أراها ياألمي تحت (اللمبة) الوحيدة المشنوقة المتدلية ضعيفة الضوء ، العينان غائرتان ، وحولهما هالة مثل هالة القمر ، تحاول نظم الإبرة لتخيط همومها مع ثيابنا ، وتتمتم :
– أووف انظم الإبرة ياولد جوهر .. نظري ضعيف ، و( لمبتي ) ضعيفة ..
– بعد نهايتي من نظم الإبرة ، اضم أمي حتى أشعر بالثقة في الدنيا والوجود ، فتداعبني : يابيضة الديك .
– أمي على الأخص تشعر بي بعمق ، وأنا أشعر بها بقلق ، تظنني صغيرا لا أفهم ، ولا أدرك سر تعاستها ، وقلة فرحها الذي أثر على العينين والجسم بشكل كامل .
– اذهب لفراشي الممتلئ من البق والعث ، ادسه تحت الوسادة المزخرفة بالنجوم والأشجار .
– تتكسب من الخياطة أحيانا بفخر ، تقول :
– كل وسائد الجيران انا من رسم عليها طيورا ، وزهورا ، وأشجارا ..
– يبدو أن أمي ترجو ان أكون فوق النجوم ، وبقوة جذوع الأشجار .
– رأسي ممتلئ بذكريات أرغب في نسيانها ، القلب يدق بسرعة ، يهدأ واتلو آخر ماتبقى من قصة الحزن والفقر ، وفي الصباح كالعادة احك أمرين لاثالث لهما :
– شعر رأسي ، فتتساقط ذكرياتي الأليمة ..
– دموعي الناشفة على الوسادة حتى لاتراها أمي ولاتشمها ، يكفيها كفوف جوهر ، ولعناته المجانية ..
– كانت الثانية تحلم بعريس مميز ، وبعرس مميز ، فوقع حظها بمكان غريب ، وبشخص يدعى سعيد الجوهر ..
– جميلة الملامح ، رشيقة الجسم ، لديها مايخلب لب سعيد يعني باختصار سمورة وشعرها طويل ..
– يعيش في حي الشرارة سمي بذلك لكثرة ورش الحدادة فيه .
– يملك مثلها واحدة ، فقد اخذ الصنعة من والده .
– كان والده حدادا ماهرا على الرغم من كثرة اللذع والجروح حول كفيه وفي ذراعيه ، التعلم له ثمن في الغالب لهذا تلتصق صورة الوجه المعروق الاسود ، والنظارة الكبيرة التي تخنق نصفه ، الأنفاس تجعل الصدر يعلو وينخفض ، أرى الخوف في عيني ابي ، وأنا امسك الحديد معه ، والشرر يتطاير هنا وهناك ، ادعو ألا تنفجر الأنبوبة في هذا اليوم الحار ..
– يبرع بصنع الزهور والثعابين الملتوية على شبابيك المنازل وأبوابها ..
– في شمال الحي بيت سعيد ، والورش في جنوبه ، يفصل بينها جدار طويل ..
– قال ابوجوهر وهو يحك أذنه :
– انا آسف ياعمي ، هيا معي إلى البيت ..
– قالت الثانية ، وهي تضع أصابعها على رقبتها :
– بكل بساطة ..
– تنحنح والدها باسف :
– ليست المرة الاولى ياسعيد .. ترفع يدك عليها ثم تعود متوسلا إليها .
– وماحكاية الثعبان الذي تتكلم به في حلمك ، وتكرره لدرجة أن ابنتي لاتستطع النوم من الرعب ؟!
– تعبت من بكاء الأطفال شوقا لأمهم .. اتعهد ياعمي لك ، هذه آخر مرة بعدها ساقتل الثعبان حتما ..
– في أول ليلة من عودتها تحسس حلقها .. النور غير مطفأ .. الأطفال ناموا لأول مرة مبكرا ، وفي وجه كل واحد منهم ابتسامة العودة ..
– الصمت عميق مع الخوف .. الكراسي الحمراء منتشرة في كل مكان :
– في ساحة البيت والأسياب رصيف البيت .. كثير هم الاشخاص الداخلون والخارجون ..
– قهقة كرائحة الطعام ، المكلوم سعيد واطفاله مشغولون بالعزاء ، فمااشد من بكاء طفل لايعلم لم يبكي تقليدا للكبار !!
– اطفاله اصبحوا يخافون منه اما هو ، فاخذ يقهقه كثيرا حتى ابنه الكبير جوهر يسأله باستمرار ، وهو خائف :
– أبي لماذا تضحك ، وأمي ميتة ؟!
– هل قبلت امي من رقبتها ؟!
– أنا قبلتها ، وانا ابكي فرأيت ندوبا سوداء حول رقبتها ..
– صرخ به والده ، وقال :
– ستراها إن كبرت .. فتردد ولاتقدم .. ولاتختار الثعبان ، وأنت تراه وتفهمه !!
– لم يفهم جوهر إلا البكاء خوفا من صوت والده الأجش الذي يضرب رأس الثعبان المهشم ، ارتعاشته بعنف عالقة بذهن سعيد جوهر ..
– بعد كثرة القهقة تعب سعيد جوهر من هم التفكير ، انه يفزع من نومه صارخا :
– أنا السبب !! كان يخشى من الندم ، وتأنيب الضمير ، انتشرت قصص متعددة عن موت زوجته ، وأسباب الوفاة حتى إخوان سعيد غير الأشقاء ، أصابهم الحرج لدرجة ان أحدهم ذهب لاب الزوجة ، ويبدو ان اسئلته اثارت بالشيخ الحيرة والاتهام ..
– بدأ ضابط التحقيق يسأل ويضغط على سعيد :
– لاتدع لذهنك ان يتصور مسالة اخرى غير القتل المتعمد ، خنقتها بأظافرك ، وانت نائم ماتمشي عندي ..
– انهيار ، ولايرد إلا بكلمة نعم ، أنا قتلت الثعبان الأول ، وكان بلا أطفال أما الثاني فيملك أطفالا ..
– نعم قتلت و حفرت حفرتين ، وبصمت دفنت أسراري .. مكاني السجن اعترف بذلك ..
– انتهى التحقيق .. كتب التقرير .. الخلاص منوط بتقرير الطبيب ، الطبيب يحجز له بمصحته غرفة وسريرا ، اخذ الاطفال أخوه الصغير يرعاهم .. بكى سعيد على أطفاله ، فطمأنه اخوه :
– لاتخف استمر على العلاج .. وسآتي بهم كل جمعة لتراهم ..
– مصحة سعيد بن جوهر الخاصة نظيفة بمكاتبها اللامعة ، وبلاطها الجميل .
– تستقبل الزائرين يوم الجمعة ، فقط لوحتها الأمامية قديمة ، وحائلة اللون .
– تقف أمامها سيارة بيضاء ، وبداخلها أبناء سعيد الثلاثة ، يدخلون بصمت شديد ، يرفض لقاءهم ، ويقول :
– ليتني طلقت قبل خروج الثعبان من مخبئه ، عندي الآن ثلاثة ثعابين !!
****** ****** ******
– كلمة أخيرة عن سعيد قبل أن اتركه بلا رجعة :
– سعيد : شخص غير سعيد ، طفولته تعيسة ، فقد زوجتيه :
الأولى والثانية ، وهو في عمر الثلاثين بأخطاء ليست طبية ..
– جوهر : لاتوجد جواهر بيده بل انبوبة غاز ، وشئ من الاحلام آخر الليل ، يستذكرها مع الياس ، هي كل مايملك ، وانفجرت في وجهه !!
– أم سعيد المطلقة : هذه لا أعلم عن مصيرها حتى الآن !!
– اعذرني سعيد ياأباجوهر .. ياصديقي ، فاسمك لن اكتبه بعد اليوم أماحياتك وتفاصيلها ، فهي الوقود الذي لاينضب ، مادامت أناملي ترقص مع الألم ، اقصد الأمل .. وداعا ياسعيد🌹

نوفمبر 5th, 2019189

اكتب تعليق