لماذا نتابع سخافات مشاهير الإعلام؟!
الكاتب : محمد البلادي

وسط أخبار الكوارث والحروب والمآسي، التي تعيشها المنطقة، تأبى أخبار (مشاهير) الإعلاموفضائحهم إلا أن تأخذ جزءًا كبيرًا من عناوين الأخبار، ومن وقتنا كذلك!.. تراشقات وتهم، كثيرًا ماتصل حد الوقاحة، وأخبار سخيفة عن زواج أو طلاق أو حفلة لا تساوي في مقياس الإعلام الحقيقيشيئًا، لكنها بمقياس (تُجّار الإعلام) تساوي الكثير من الإثارة والجماهيرية!. إنه واقع يدفعكسواءاتفقت أم لم تتفق معهإلى الاعتراف أن تفاهات مشاهير الإعلام باتت تحتل جزءًا ليس بالهيِّن منثقافتنا ووعينا العام، وأن أخبار ملابسهم، سياراتهم، حيواناتهم وحتى (هوشاتهم) أضحت تشغلمساحة مهمة من وقتنا واهتماماتنا.. فلماذا كل هذا الهوس بالسخف؟!.. وهل يُلاحقنا هؤلاء التافهون أمنحن من يلاحقهم؟!.

بدايةً، لابد من القول: إن مفهوم الشهرة اختلف كثيرًا مع اختلاف القيم التي تُمجّدها كل ثقافة،فالشهرة عند الثقافات السابقة كانت تعني فعل أشياء عظيمة تُخلِّد اسم فاعلها، لذا كان مشاهيرالماضي نتاج ثقافات ترى العظمة في القيمة التي تؤثر في حياة الناس وتُغيّرها للأفضل.. أما مشاهيراليوم، فيأتون من ثقافة تعطي الأهمية القصوى للصورة، وتُقدِّس اللحظة الآنية والمتعة السريعة، كونهاتتمحور حول كل ما هو هزلي ومؤقت وسريع الزوال، وتقدمه على الثابت والمكتوب والعقلاني، لذا فقدتالشهرة اليوم معناها العميق والإنساني، لتُصبح شيئا يبدو أغلب الوقت مُسطّحا وتافهًا.

لكن لأن الشهرة اقترنت في عصرنا بالثراء، وبالحياة الرغدة والسهلة، فقد أصبحت حياة المشاهيربالنسبة للكثيرين هي الحلم والنموذج، وهذه صورة ليس بالضرورة أن تكون صحيحة، لكنها للأسفنافذة في عقول السواد الأعظم ممن يتابعون تلك الحياة بشغف، ويزداد هوس هؤلاء عندما تظهر(سنابات) المشاهيرعمدًاوربماكذبًاشيئًا من تفاصيل حفلاتهم وسهراتهم ومجوهراتهم ومنازلهموسياراتهم وطائراتهم، فيزداد الإيمان بالتفاهة، وقدرتها على صنع السعادة والنجومية !.

من جهة أخرى، فإن التباين الشاسع بين الصورة الذهنية لحياة المشاهير وحياة عامة الناس يجعلهاتبدو بالنسبة للبعض مادة ثرية للتسلية والتندُّر، تُخرجهم ربما من ثقل واقعهم، وتجعلهم يعيشون فيحياة افتراضية في خيالاتهم!. لا يقف الأمر عند الفضول وحده في متابعة فضائح المشاهير وتتبعسقطاتهم، فالكثير من متابعي أخبار المشاهير يودون أن يشعروا بأن حياتهم على ما بها من فقرونقص، هي أفضل من حياة النجوم الباذخة، كما أن هناك نوعًا من الرضا الشاذ الذي يشعر به البعضعندما يرى شخصًا ما أوتي المال والشهرة، ومع هذا، يعاني مثلما يعاني هو وربما أكثر!.

الميل للتفاهة في رأي عالم النفس (إيريك فروم) هي محاولة لهرب الإنسان ليس من ذاته، بل من واقعهأيضًا.. فهو يرى بأنه كل ما زادت الصراعات، انشغل الناس بالتفاهة، لأنهم يشعرون بالعجز وسط هذهالصراعات!.

انتهت مساحة المقال وبقيت جزئية من السؤال المطروح في مقدمته: هل يُلاحقنا التافهون أم نحن مَنيُلاحقهم؟، وأترك الإجابة لك عزيزي القارئ!.

نوفمبر 20th, 2019176

اكتب تعليق