المحسوبية في الإدارة!
الكاتب : محمد البلادي

 

· يروي أحد الأدباء المصريين في مذكراته أن العزيزة مصر شهدت خلال الستينيات الميلادية استشراء داء (المحسوبية) في كثير من مؤسساتها الحكومية والخاصة، فمعظم مسئولي الإدارات باتوا يعينون أقاربهم؛ وخصوصاً أصهارهم في مراكز مرموقة، حتى تحولت بعض المؤسسات الى ما يشبه الشركات العائلية! وكعادة أشقائنا المصريين في معالجة مشكلاتهم بالسخرية والنكتة، فقد حوّلوا المقولة الإدارية المعروفة (الرجل المُناسب في المكان المناسب) إلى (الرجل المِناسب) بكسر الميم في (المناسب) لتعني النسيب أو الصهر!

· المحسوبية من أسوأ أشكال الفساد واستغلال السلطة، ليس لأنها تقوم على فكر نفعي ضيق فقط، بل لكونها تضرب أيضاً إنتاجية المنظمة وعدالتها في مقتل، وتفقد الأوطان الكثير من ثرواتها البشرية بسبب الإحباط الذي تتركه هذه (الانتقائية) عند منسوبي المنظمة!.. ناهيك عن أثرها المدمر على المدى الطويل على قيم النزاهة، حين تقلل من قيمة مفاهيم العمل الجاد، والكفاءة الوظيفية، وتطوير الذات.. معززة الاتجاه نحو التسلق والانتهازية والنفاق الإداري للحصول على الحقوق.

· مشكلة المسؤول (الهابط ببراشوت الواسطة) لا تتوقف عند حدود ركاكته الشخصية فقط، المشكلة الأكبر أنه يقوم في الغالب بإحاطة نفسه بـ(شلة من محاسيبه) أكثر منه ركاكة وفساداً، بسبب خوفه من أي كفاءة قد تسبب له الإحراج والظهور بمظهر الجاهل.. وبسبب رغبته في الإمساك بكل خيوط المنظمة، وضمان ولاء منسوبيها، والسيطرة على مواردها. ‏هل تملَّكتك الدهشة يوماً وأنت تشاهد سلسلة طويلة من الأقارب والأصهار و (الأرحام) وهم يمسكون بزمام إدارة أو مؤسسة، وكل مؤهلات آحادهم أنه (عديل سعادة المدير) أو (زوج ابنته)؟!. لا تتعجب، فعندما تضع المحسوبية الرجل الخطأ في المكان الخطأ؛ فمن الطبيعي أن تغيب المسؤولية الوطنية والإحساس بالمجتمع، وأن تتضخم المصلحة الفردية والأنا.

· لاشك أن روح النزاهة، ومحاربة الفساد التي يبثها سمو ولي العهد -أيده الله- ودعمه القوي لهيئة مكافحة الفساد قد قلَّصت كثيراً من أذرع إخطبوط الفساد، وهذا يتطلب منا جميعاً العمل مع الجهات المختصة من أجل التخلص من بقية هذه الأثقال الإدارية المعيقة للتنمية، فحماية مراكب الرؤية المتجهة نحو شواطئ 2030 من الفساد والمفسدين هي مسئوليتنا جميعاً لا مسئولية الجهات الأمنية وحدها.

· قصص الفساد مضحكة، لكنه ضحك كالبكاء.. يُحكى أن مسئولاً تزوج أخت (فرّاش) يعمل لديه، وبحكم النسب أصبح الفرّاش الجاهل يتلقى الترقيات (بعد أن ضربوا له شهادة كرتونية) حتى أصبح رئيس قسم، بل إن صهره المدير وضعه مكانه عندما ترقى لوظيفة مدير عام .. ذات يوم سمع (المدير الفراش) أن «المدير العام» قرر تشكيل لجان لتقييم شهادات العاملين، وإعادة النظر بمواقعهم الوظيفية، فزع صاحبنا واتصل بنسيبه المدير العام معاتباً على القرار الذي قد يكشفه، فطمأنه الأخير ضاحكاً: لا تخف يا بو نسب، لقد وضعتك رئيساً للجان التفتيش!.

ديسمبر 7th, 2019735

اكتب تعليق