خذ وقتك.. من قال إن الوقت سيف؟!
الكاتب : محمد البلادي

• أبرز خديعة وقع في براثنها الإنسان المعاصر؛ وتسببت له في الكثير من المشكلات النفسية والصحية والاجتماعية، هي كذبة سباقه الحتمي مع الوقت!. ليس هناك سباق مع الوقت، هذه كذبة أفرزتها الثورة الصناعية لتُبرِّر تسخيرها وتطويعها للإنسان، وجعله أحد تروس مكائنها، من أجل عصره لآخر قطرة!. (احترام الوقت) أمر مهم ولاشك، وحسن إدارته يُعتبر من أهم مهارات ومميزات الناجحين والمتفوقين، لكن أن تضع رأسك تحت مقصلة الضغوط النفسية والعصبية التي يُسبِّبها هذا السباق الخاسر هو أمر مرهق ومتعب بل وقاتل في أحيان كثيرة.

• هناك مثل إنجليزي يقول: «ابطئ من سرعتك، وإلا لن تستطيع التقاط شيء قيّم في طريقك».. هذا مفهوم صحيح، متناغم ومتصالح مع مفهوم الوقت.. لكن كتب الإدارة التي راجت في العقود الأخيرة؛ والتي كتب (خبراء الإدارة الرأسماليون) معظمها، حوَّلت الوقت إلى خصم وعدوّ؛ بل إلى (وحش) شرس يجب الهرب منه، وإن على حساب صحتنا وأبنائنا وحياتنا!.. إن الضغوط التي سببتها بعض كتب التنمية الذاتية وكتب الإدارة؛ جعلتنا نعتقد أن علينا الركض بشكلٍ مستمر للحاق باللعبة.. أو العدو بسرعة جنونية لكي ننجح ونفوز بجزء من الكعكة، بدلاً من الاكتفاء بعبور خط النهاية، حتى وإن كان هذا السباق بلا خط نهاية.

• إن مفهوم (الصراع مع الوقت) بشكله المقلق الحالي هو مفهوم جديد نسبياً، ظهر -كما قلنا- في المجتمعات الصناعية مع بداية القرن التاسع عشر، عندما طوّر الصناعيون والرأسماليون أساليب جديدة لتدجين الإنسان وبرمجته للعمل في حظائرهم دون توقف من خلال أسلوب العصا والجزرة.. وبعد أن كان السواد الأعظم من البشر يعملون لصالح أنفسهم في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، دون ضغوط، حوّل التجار مفاهيم النجاح وآليات السباق إلى مفاهيم ركض بلا هوادة ولا رحمة.

• النجاح ليس أموالاً فقط.. والحياة ليست ركضاً وظيفياً، ولا مجرد سباق نحو الألقاب.. النجاح الحقيقي في الحياة هي أن تعيش سعيداً. مَن يصنعون أنفسهم أخلاقياً واجتماعياً وثقافياً وإنسانياً سيجدون أنفسهم حتماً.. أما مَن يلهثون خلف سراب الماديات بلا تفكير؛ فسيجدون أنهم خارج حسابات الحياة يوماً ما.

• الوقت ليس سيفاً مُسلَّطاً على رقاب الناس.. صادِقْ الوقتَ واحترِمْه؛ ولا تجعلْه خصماً لك فتخسر.. خذ وقتك في العبادة، خذ وقتك في الراحة، خذ وقتك في التأمل، خذ وقتك مع أطفالك وعائلتك، خذ وقتك في التفكير والقراءة والنضج، خذ وقتك في كل شيء، فالاتجاه الصحيح أهم من السرعة، وليس هناك ما هو أسوأ وأقسى من أن تكتشف يوماً بعد سنوات طويلة من الركض المضني في دروب الحياة؛ أنك كنت تسلك الطريق الخطأ.

 

ديسمبر 11th, 2019689

اكتب تعليق