النعمة لاجعلها نقمة
الكاتب : د صالح بن سعود الســعود

النعمة لاجعلها نقمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وبعد :-
السيارة نعمة من نعم الله علينا ، فهي تقرب البعيد وتدني القاصي وتوفر الجهد والوقت ، تسهل النقل ، وتعين على إغاثة الملهوف ، بها يصل الإنسان رحمه ويذهب إلى مصالحه ويعود مريضه ، يركبها متمتعاً بها، (وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم )
إن مما يؤلم النفس أن البعض جعلوا هذه النعمة نقمة ، استثمروها في صور من الاستعمال المحرم لهذه النعمة ، ومن أشد الصور إيلاماً هو ما يتسببه البعض من حوادث مرورية وقتل للأرواح وإيذاء للأبرياء بسبب السرعة المفرطة أو التفحيط أو عدم التقيد بأنظمة المرور ، فباتت السيارة من أشرس وسائل القتل .
كثيرون هم الذين يتهاونون في موضوع السرعة فوق الحد المسموح ، رغم أنها من أسباب الهلاك ، التي معها يفقد السائق قدرته على السيطرة عليها ، ويقل تركيزه. يقول تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)، ويقول سبحانه: (ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا)ويقول الله سبحانه وتعالى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) ففي هذه الآيات أمر بأن يمشي الإنسان مشياً معتدلاً ليس بالبطئ المتثاقل ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًاً . ويخطئ من يظن أن هذا الأمر خاص بمن يمشي على قدميه فقط ، بل يشمل من يركب الدابة أو الدراجة أو السيارة ، وأغلب الناس في هذا العصر يتنقلون راكبين، فالاعتدال في السرعة مطلوب إلا ما اقتضته الضرورة ورجحت فيه مصلحة الإسراع؛ لإدراك حياة مصاب مثلًا، أو إنقاذ مستغيث، ونحو ذلك من الحالات .
إن المطلوب هو أن ننمي ملكة التحكم في تصرفاتنا بحيث لا تكون القيادة سبباً للضرر ، ويكون التحكم بالسرعة والالتزام بأنظمة المرور نابعاً من شعور ذاتي بوجوب الالتزام بها ، وليس خوفاً من كاميرا ساهر ، أو من عين رجل الأمن .
وإنها وقفة تقدير لما تبذله الجهات المختصة من جهود للتقليل من الحوادث المرورية وحث الناس على عدم تجاوز أنظمة المرور ، فقد أدت هذه الجهود – بعد تشغيل خدمة ساهر – إلى تقليل نسبة الحوادث بنسبة قاربت 30 % ، وتراجعت التلفيات في حوادث المرور بنسبة جاوزت 40 % ونسبة الإصابات الناجمة عن حوادث السير إلى 26% وعدد الوفيات بنسبة 30 % . ولو كان الالتزام بالأنظمة ينبع من قناعة ذاتية لدى كل سائق لكان النسب أعلى بكثير مما ذكرناه.
والتفحيط أيضاً بات ظاهرة مرعبة لكثرة ما تسببه من حوادث مميتة وإصابات بليغة وإتلاف للأموال ، والمؤسف أن بعض الشباب يظن أنها رجولة أو مهارة ، فيتفنن في أداء أنواع مميتة من التفحيط ، قد يكون هو ضحيتها ،وكم من روح أزهقت بسبب التفحيط ، وكم من شاب فقد عافيته بسبب التفحيط ، وكم من مشلول ومقعد وأبكم وأعمى بسبب التفحيط ، وكم من أسرة فقدت ربها ومن يعولها ، ومن أراد أن يقف على حقيقة المآسي التي يسببها التفحيط ، فليقم بزيارة إلى مستشفى النقاهة، والمستشفيات عامة ، وإلى الإحصائيات في المقابر .
إن التفحيط معصية لله ومن يفعلها آثم ، لأن فيها تهلكة للنفس (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وفيها أذية للمسلمين وإضاعة للمال ، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” إن الله كـره لكم ثلاثاً : قيل وقال وإضـاعة المال وكثرة السؤال “.وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بحرمة التفحيط ، نظراً لما يترتب على ارتكابه من قتلٍ للأنفس وإتلافٍ للأموال وإزعاجٍ للآخرين وتعطيلٍ لحركة السير. لذا وجب على كل ولي أن يمنع ولده من القيادة إذا كانت قيادته متهورة ولا يراعي اشتراطات السلامة وقوانين المرور لئلا يتلف نفسه وأنفس الآخرين ، يقول تعالى: ( وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) . إن الذي جعل الإشارة الحمراء علامة على وجوب التوقف، أراد أن يقول للسائق إن تجاوزها خط أحمر ويعني الموت ، وهذا يغيب عن بال الكثيرين وخاصة الشباب الذين يتجاوزون الإشارة الحمراء معرضين أنفسهم والآخرين إلى الموت أو الإصابة، وقد وقعت حوداث كثيرة بسبب تجاوز الإشارة الحمراء. ولذا أفتى سماحة المفتي العام الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ حفظه الله بحرمة قطع إشارة المرور عمداً، معتبراً أن من تجاوزها وتسبب في قتل أحد فإنه يكون قاتلاً شبه متعمد. وقال إن المتخطي والمستخف بإشارة المرور آثم، والمتجاوز لها عاص ويتحمل وزراً، وإذا حصلت جناية بهذا السبب فهو شبه متعمد لأنه تجاوز ما حدد له وتعدى الحدود وعمل أعمالاً سيئة، وشدد على ضرورة تعويد النفس على احترام إشارات المرور وعدم العبث بها، وتحميل من يتجاوزها عمداً حين لا يرى أحداً عند الإشارة المقابلة جميع الأخطاء والأضرار ليعرف الناس الحدود.
ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :(لا تخفى حرمة قطع إشارة المرور للأضرار المذكورة وكل واحد منها يقتضي الحرمة لو انفرد فكيف إذا اجتمعت إضافة إلى أن هذا العمل يجرئ الآخرين على تعريض الناس للخطر وترويعهم . وتصبح إشارات المرور لا قيمة لها نسأل الله أن يوفق الجميع للصواب.
وبسبب السرعة الزائدة والتفحيط وعدم الالتزام بالإشارات الضوئية وأنظمة المرور ، ازدادت الحوادث المروية في المملكة خلال عشر سنوات بنسبة أربعمائة بالمائة .. وخلال ثلاث وعشرين سنة بلغ عدد المصابين في حوادث المرور بالمملكة أكثرَ من نصف مليون مصاب توفي منهم ستون ألفَ إنسان .وقد أكد مدير الإدارة العامة للمرور أن عدد الحوادث المرورية خلال عام 2011م بلغت (544.179) ألف حادث بمعدل (1537)حادث يوميا، مشيراً إلى أن عدد المصابين في نفس العام بلغ أكثر من 39000 ألف مصاب و 7153 حالة وفاة ، بمعدل 20 حالة وفاة يوميا منها 13 حالة وفاة يومياً من الشباب، حيث يمثلون 75 بالمائة من الوفيات. وتؤكد التقارير أن هنالك عشرات الآلاف يصابون بشلل كلي أو نصفي أو حالات عجز متنوعة .
لا شك أن هذه الأرقام تبعث على الأسى وتوجب السعي الدؤوب لوضع الحلول الناجعة للحد من الخسائر المفجعة بسبب الحوادث المرورية . وكثير من الناس لم يسمعوا بهذه الأرقام ، ولو أن القنوات الرسمية وغير الرسمية ذكرت على شاشاتها عدد من يقتلون كل يوم بسبب الحوادث لساعد ذلك في إبراز حجم المشكلة وخطورتها ، ولتفاعل الناس معها بنفس القدر الذي يدفعهم للتفاعل عند قراءة عدد القتلى الذين يسقطون يومياً في سوريا أو العراق أو اليمن ، بل سيكون تفاعلهم أكبر لأن من يقتل في سوريا أو العراق نرجو له الشهادة فهو إما مجاهد في وجه سلطان جائر أو مظلوم قتل غيلة وغدراً ، أما من يقتلون في الحوادث المرورية فهم شباب عزيز على قلوبنا قضى دون هدف أو غاية .
أما الخسائر الاقتصادية في المملكة العربية السعودية فتبلغ نحو 25.6 بالمائة من خسارة الدول العربية أي ما يقارب 7 مليار سنوياً .وأما الآثار النفسية فإنها تتمثل في الألم والمعانات والصدمات وعدم الاستقرار النفسي ، ولقد أسهمت حوادث الطرق بالإضافة إلى بعض العوامل الأخرى في تزايد بعض الفئات الاجتماعية التي تحتاج إلى إعانة كحالات العجز واليتم والترمل والطلاق . وإذا أمكن احتساب التكلفة الاقتصادية الهائلة بسبب الحوادث المرورية ، إلا أنه من الصعب احتساب تكلفة الأضرار الإنسانية بدقة, إذ كيف يقاس تكلفة وفاة معيل لأسرة فيها الأطفال والنساء والشيوخ ، وكيف يقاس الألم والمعاناة والحزن الذي يصيب أهل الفقيد أو المصاب نتيجة الحادث المروري, لأجل ما سبق من أضرار جاءت الفتوى بتحريم مخالفة قوانين المرور ، وأمرت بالالتزام بها .
يقول سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله :”لا يجوز لأي مسلم أن يخالف أنظمة الدولة في شان المرور لما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى غيره . والدولة _ وفقها الله _ إنما وضعت ذلك حرصاً منها على مصلحة الجميع ورفع الضرر عن المسلمين فلا يجوز لأي احد أن يخالف ذلك وللمسئولين عقوبة من فعل ذلك بما يردعه وأمثاله .
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :”السرعة المقيدة عند الجهات المختصة الأصل أنه يجب على الإنسان أن يتقيد بها لأنها أوامر ولي الأمر وقد قال الله تعالى (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) .
وأفتى الشيخ ابن جبرين رحمه الله بحرمة مخالفة أنظمة المرور فقال :”لا تجوز مخالفة أنظمة ولوائح المرور التي وضعت لتنظيم السير ، ولتلافي الحوادث وللزجر عن المخاطر والمهاترات، وذلك مثل الإشارات التي وضعت في تقاطع الطرق ،واللافتات التي وضعت للتهدئة أو تخفيف السرعة …فعلى هذا من يعرف الهدف من وضعها ثم يخالف السير على منهجها عاصيا للدولة فيما فيه مصلحة ظاهرة ويكون متعرضا للأخطار وما وقع منه فهو أهل للجزاء والعقوبة ،وتعتبر ما تضعه الدولة على المخالفين من الغرامات ومن الجزاءات واقعا موقعه .
وأصدر مجمع الفقه الإسلامي قراراً بوجوب الالتزام بأنظمة المرور والمنع من مخالفتها .
إن في الالتزام بقوانين المرور محافظة على النفس والعقل والمال ، وهذه من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بالحفاظ عليها. ما أجمل أن يستشعر سائق السيارة نعمة الله عليه إذ سخر له هذه المركبة ليقضي بها حاجاته ،فاستشعار السائق نعمة ربه عليه إذ منَّ عليه بهذا المركب ، يحجزه عن تعريض حياة الناس وممتلكاتهم للخطر؛ لأن ذلك من كفران النعمة، واستهتار بقيمتها .
اعلم أُخيّ :أن كل تصرف يضر الآخرين ممنوع ، وإذا كان يحق لكل مواطن أن ينتفع بالطريق فإن التعسف في استعمال هذا الحق ممنوع ، لأن ذلك يؤدي إلى مناقضة قصد الشارع ، لما يترتب عليه من مفاسد وأضرار، فالحقوق لم تشرع وسائل لتحقيق مضار أو مفاسد غالبة .
همسة ووقفة تأمل : تصور يامن تتطاول على حقوق الآخرين أنك في طريق ثم رأيت تجمعاً حول حادث ، وعندما توقفت كغيرك فإذا بالملقى على الأرض قريب لك دُهس بسبب متهور ، ما هو شعورك في تلك اللحظة ؟ تأمل .
اسأل الله عز وجل أن يحفظ الجميع من كل مكروه . والحمد لله رب العالمين
كتبه
د صالح سعود السعود
عضو هيئة التدريس بجامعة حائل

أكتوبر 24th, 20141977

اكتب تعليق