ادعم أكثر مما تساعد
الكاتب : محمد البلادي

اتخذ الصبي النحيل من أحد أركان مترو الأنفاق المنزوية والمظلمةمكاناً للتسول تحت ذريعة بيع أقلام الرصاص.. كان يقف شاردالذهن عندما مرَّ عليه أحد رجال الأعمال المشهورين ووضع دولاراً فيكيسه قبل أن يستقل المترو في عجلة.. لكنه وبعد ثوان قليلة منالتفكير، خرج من المترو مرة أخرى، واتجه نحو الصبي الذي مازالينظر اليه باندهاش.. تناول الرجل مجموعة كبيرة من أقلامالرصاص، موضحاً للشاب بلهجة (البزنس) إنها صفقة مشتركةالفوائد بين رجلي أعمال: «أنت رجل أعمال مثلي؛ ولديك بضاعةجيدة وأسعارها مناسبة للغاية لهذا سأشتريها». ناول الصبيالنقود ثم عاد لمقعده في القطار. بعد سنوات من هذا الموقف وفيإحدى المناسبات تقدم شاب أنيق نحو رجل الأعمال وقدم نفسه لهقائلًا: إنك لا تذكرني على الأرجح، لكني لن أنساك ما حييت، فقدأعدت لي بصفقة الأقلام احترامي وتقديري لنفسي.. كنت أظن أنني(مُتسوِّل) أتذرع بأقلام الرصاص إلى أن دعمتني وحولت تفكيريالى أنني (رجل أعمال) وهذا ما حدث بالفعل!.

هذه القصة المعروفة في أدبيات التنمية الذاتية تدفعك الى الايمانالجازم أن قوة التأثير تكون في الدعم المعنوي والروحي أكثر بكثيرمما تكون في المساعدة المالية!. كان يمكن أن يمر هذا الموقف علىالشاب دون أن يحدث أي تغيير إيجابي فيه لو اكتفى رجل الأعمالبموقفه الأول حين وضع قطعة من النقود في كيس الطفل، بل كانيمكن أن يكرّس فيه صورة المتسول المحتاج دوماً الى شفقة الناسوأعطياتهم، لكن كلمات الدعم البسيطة تحولت الى توجيه إيجابيعندما تعامل معه كندّ، وكرجل أعمال وشريك في صفقة. إن كثيرًا منالناس وصلوا إلى أبعد مما ظنوا أنفسهم قادرين عليه، لمجرد أنشخصًا أخبرهم أنهم قادرون على ذلك.. فالكلمة الحكيمة في وقتها،والتصرف الداعم قد يكون هو كل ما يحتاجه إنسان لتوجيه دفةشراعه نحو مرافئ الثقة والأمل والنجاح.

مواقف الدعم في لحظات الانكسار لا تُنسى أبداً ومن أجمل قصصالدعم المؤثر ماروته أم المؤمنين عائشة أن امرأة من الأنصار دخلتعليها أثناء حادثة الإفك، لم تفعل المرأة شيئاً غير أنها بكت معهاكثيراً دون أن تنطق كلمة. قالت عائشة: والله لا أنساها لها أبداً. وقصة أخرى مماثلة لكعب بن مالك عندما تاب الله عليه بعدما تخلفعن تبوك، حين دخل المسجد مستبشراً فقام إليه طلحة يهرولواحتضنه قال: لا أنساها لطلحة.

لا يكفي أن نكون على قيد الحياة، من المهم أيضاً أن نكون على قيدالإنسانية والدعم والتأثير .. كلماتك البسيطة قد تبني إنساناً منجديد فاخترها بعناية لتصنع أجمل الأثر. ادعم نفسياً وروحيا قبلأن تساعد مالياً.. فدعم الفقراء لايكون بدس قطعة نقود في جيوبهمفقط، بل بدعمهم نفسياً وروحياً وعملياً لتحويلهم الى منتجين.

سيتذكرك من دعمته كشريك في النجاح ولن ينساك، لأنك قد تكونملهمه، وأهم أسباب نجاحه وتفوقه.

يناير 15th, 2020502

اكتب تعليق