هل ساهمت الإنترنت في زيادة الجهل ؟!
الكاتب : محمد البلادي

سأترك لكعزيزي القارئكامل الفرصة للإجابة عن هذا التساؤل في نهاية المقال .. لكن دعنا أولاًنعرّف الجهل كي نسهّل عليك الأمر قليلاً. فالجهل لا يعني فقط غياب المعلومة عن العقل، بل يعني أيضاًخطأ المعلومة وزيفها أو عدم اكتمالها. وينقسم إلى (جهل بسيط ) وهو أن يجهل الإنسان الشيء وهومعترف بجهله ، و ( جهل مركب) وهو أن يجهل الشيء دون أن يعلم أنه جاهل ! ، وهذا هو النوع الأسوأوالأخطر والأكثر شيوعاً للأسف ، لأن صاحبه يظن نفسه في الغالب عالماً ، فتجده يهرف بما لا يعرف ،بسبب وهم معلوماتي خاطئ، أو مشوش احتل حيزا من عقله ، لأن العقلكما يقولونيحتله الأسبق، وليس الأصوب بالضرورة ! .

العقل لا يحب الفراغات أبداً، والأذهان لا تبقى فارغة، فان لم تجد الإجابة الصحيحة والموثوقة علىتساؤل ما ملأته بتفسيرها الشخصي الذي يتجه في الغالب نحو الغيبيات وعوالم ما وراء الطبيعة ، لذاتمتلئ بعض العقول بخليط فاسد من الرواسب الشفاهية الخاطئة ؛ والمعلومات غير الممحصّة التيتستقيها من جهالات البيئة المحيطة بها .. ومشكلة الانترنت وما تفرّع عنها من وسائل تواصل أنها شكّلتبيئات محيطة بالعقل؛ مليئة بالجهالات والخرافات المستقرة في المجتمع .. صحيح أنهاوأعني الانترنتقرّبت المعلومة من ذهن المتلقي لدرجة غير مسبوقة ، لكنهفي أحوال كثيرةيكون اقتراباً سلبياً ، لأنالمحتوى في الغالب لا يخضع لأي تدقيق أو تمحيص ، فضلاُ عن كونهاولازلت أعني الانترنتقدأوحت للكثيرين أنهم أصبحوا على درجة عالية من العلم والمعرفة والثقافة لمجرد أن المعلومة أصبحت علىبعد كبسة زر منهم !

لا أظنني بحاجة لإحصاءات لإثبات مغالطات الانترنت الكثيرة، يكفي أن تفتح ( الواتس أب) وتحسبكم حديثاً ضعيفاً أو حتى مكذوباً يمر عليك في اليوم الواحد ، كم إشاعة ، و كم خرافة طبية ، كم قصةتاريخية مزيفة ، كم معلومة مجتزأة تمر على عقلك في الساعة خصوصاً في مثل هذه الأزمة التينعيشها .. هذا الزخم المعلوماتي المزيف الذي يغيّب العقل أكثر مما يوقظه هو ما أصاب عقول الكثيرينبالغش والغرور الثقافي، تماماً كما حدث من قبل مع مراهقي (داعش) الذين غيبوا عن واقعهم . لهذا لميعد تعليم التفكير الناقد ،والإلمام بأسس البحث العلمي ترفاً فكريا ، بل أصبح ضرورة من ضرورياتالعصر بعد أن أصبحنا نحمل الجهل في جيوبنا ! .

في عصر الانترنت لم تعد المشكلة في وجود المعلومة ، فالمعلومة ستأتيك قبل أن تقوم من مقامك ،وأحياناً قبل أن يرتد إليك طرفك ، المشكلة الحقيقية باتت في القدرة على فلترة هذا التدفق ، وفي الوعيالشخصي القادر على الفرز والفحص والتحليل والنقد.. حتى لا تمتلئ الأذهان بتكدسات لا قيمة لهاغير أنها تملأ العقول بالجهالات، وتملأ النفوس بالغرور والثقة أنها تعرف كل شيء عن أي شيء وفي أيشيء.

الان وقبل أن تجيب على السؤال (عنوان المقال ) واجه نفسك بسؤال أهم : إلى أي أنواع الجهل تنتمي؟!

مارس 24th, 2020398

اكتب تعليق