تأملات في زمن الكورونا
الكاتب : فاطمة بنت مسفر الجعيد

 

هل جربت أن تتعرف على ذاتك من خلال دائرة الفراغ؟ هكذا فجأة تجد نفسك لست مطالبا بأي شيء! سوى البقاء في منزلك، والتكيف مع حياتك وفق مستجدات الحدث، حيث ممارسة التكيف هنا مهارة ملحة ومعيار لجودة حياة.
مواجهه حقيقية مع ذاتك تعيد فيها صياغتها، بل بلورتها لتبقى في مكان المتأمل. كم ستكون محظوظًا حينما تقتنص الحِكَم، والعبر وتجيد دوزنتها! بل وربما تجرك نظراتك المتفحصة إلى فلسفات عميقة للنفس وللناس، وللحياة.
هذا ما نعيشه حاليا، ويشترك فيه بنو البشر في شتى بقاع المعمورة. آفة تجتاح الأرض، تحصد الأرواح وتجتثها، وتثير الرعب، والهلع في النفوس، ولا سبيل للتصدي لها سوى الانعزال. فجأة تتوقف الحياة عن الحياة، تتلاشى كل مظاهر الكماليات وتضمحل. ولم يعد التشبث إلا بالضروريات المُحتَّمة! كل الأمور الدائبة، والمهمة أصبحت hold on في مقابل صحة الإنسان وسلامته.!!
نعم هو زمن الأزمة، زمن المحكات، زمن المعادن الحقيقية، زمن المشاعر صدقها، وزيفها وديمومتها، زمن يخرج أجمل وأسوء ما فينا على حد سواء، زمن القوة الحقيقية والمبادئ الأصيلة.
وفوق هذا كله هو زمن اكتشاف واستنباط ذواتنا الحقيقية، مواجهتنا معها، انضباطنا وانفلاتنا، عمقنا وسطحيتنا، وتبرز العلامة الفارقة نحن والفراغ من يتولى إدارة الآخر؟!
تلك البيوت التي ألزمناها قسرًا، هل من ثمة علاقة حميمة تسعفنا وقتها؟!
هل كانت سكنا بمعنى: المودة والرحمة، الطمأنينة والاستقرار والانتماء؟
أكنا نراها مقرًا أم مستقرًا؟
تلك العلاقات في داخل البيوت ضمن نسيجها الأسري هل هي مهيأة لاحتوائنا؟ متانتها، صلابتها، عمقها. هل هي كفيلة بأن تُؤمِن لنا عالمًا بديلًا؟
ما حرصنا أن نوفره في بيوتنا من: متعة، ورفاهية، وأجواء حميمة، هل سيكون عامل جذب قويًا يخفف عنا وطأة طول ملازمتها؟!!
بيوتنا تصميما، وتأثيثا، وعناية واهتماما. ما نصيبنا منها؟
زمن كورونا هو- زمن استثنائي – ولادة جديدة على مستوى الدولة، والأسرة، والفرد.
زمن منحة أعطانا دروسا باهظة الثمن في حقيقة الإنسان، والحياة، لنعيد حساباتنا في كل الاتجاهات، وندخر ما ينفعنا حين افتقارنا وعوزنا، لنختبر حقيقة علاقتنا مع الخالق، مع أنفسنا، مع أوطاننا، مع بيوتنا، مع أسرنا، مع أرحامنا، مع كل من يحيط بنا قريبا كان أم بعيدا.
زمن محنة تنطوي في ثناياها إيجابيات، ومكتسبات يقف لها تقديرا، وتثمينا أصحاب التفكير الإيجابي والنظرة الثاقبة المنصفة: حضور الوعي، يقظة الإدراك، استشعار النعم (نعمة التوحيد نعمة الوطن القوي نعمة القلوب العامرة بالحب، نعمة الوقت، وحسن إدارته، واستثماره.)
زمن يبرز فيه الأذكياء الأقوياء المتفائلون كصناع للحياة حينما يحولون التهديدات إلى فرص جديرة بالاستثمار!
درس عميق – لو لم نتعلم سواه لكفانا -: ما نبنيه في سِني الرخاء والاطمئنان نحصده في زمن الأَزْمات والمِحن.
أمنية ورجاء.. ألا نمر بذات الخيبة والإحباط التي واجهت قائل هذا البيت، وعن الحقيقة التي انكشفت لهُ، وأوجعتهُ، بل عكّرت صفاء نواياه الغضّة تجاه العالم من حوله!!
عندما قال:
“أعِد لي حُسن ظنّي بالليالي
وجهلي بالأنامِ وضِيق فهمي!”
دعوة للتأمل:
ما يمر من سيل طوفان الوباء سيكون مرسى محنةٍ أو منحةٍ! الخيار لك.

مارس 25th, 20204609

15 تعليق على تأملات في زمن الكورونا

  1. ياسر محمد بخاري

    26 مارس

    مقال جميل .. فعلا .. فترة رائعة للتفرغ في تأمل الذات وإعادة بناء الروابط والعلاقات الوثيقة في محيط الأسرة .. وإعادة ترتيب الأولويات .. هذه الفترة ساعدتنا كثيرا على إعادة فهم من نحن وماذا نريد وما الذي ينبغي علينا فعله بعد أن تنجلي هذه الأزمة بإذن الله تعالى

  2. وردة العصيمي

    26 مارس

    كورونا ذاك الذي قلب موازين الحياة ليعيد إلى الحياة توازنها…
    أبدعت عزيزتي ..سلمتِ وسلم قلمك

  3. مُنى حمد

    26 مارس

    في زمن الكارونا ما أجمل العودة إلى الله …و ما أعظم رد الأمور والأقدار كلها إلى الله وبذل الذل و التوية والانكسار ليرفع الضراء ويديم السراء . .. فعلاً .. عَرَفْنا مدى ضعفنا يا الله فاعفُ عنَّا
    ‏فإنَّ الكريم إذا قَدِرَ عفا
    ‏وأنتَ أكرم الأكرمين 🤲🏻♥️…. مقال رائع .. يُحي القلوب قبل العقول … شكراً أ/ فاطمــــة الجعيد

  4. حنان

    26 مارس

    غاية في المنطقية والواقعيه، فائق الفائدة لأصحاب الألباب الواعية.
    اللهم اجعلها منحة لامحنة ، ونور بصيرتنا كما نورت بصائرنا.
    مقال يستحق النشر على جميع الأصعدة.
    استمري أ. فاطمة كعادتك اللاتقليدية
    وشكرا لصحيفة المعالي الالكترونية على النشر والإفادة

  5. صالحة الشهراني

    26 مارس

    ايام عصيبه علينا لكن لله حكمه
    في هذا الامر لعلنا نعرف مابنا
    من نعم العافية والامان والامن
    والسلام خاصه ايام الحجر وعدم الخروج حتى لاي سبب اتباع للانظمه
    والقوانين لسلامة الجميع

  6. أم أحمد

    26 مارس

    سلم البنان والفكر مقال ملهم في ظرف شهر انقلبت كل موازين الحياة فعلا فرصة للتأمل والتدبر معانٍ عميقة وما بين السطور أشد عمقا أبدعت فكرا وطرحا

  7. تهاني الجعيد .

    26 مارس

    ‏ثمة عِبارات كالمسكِّنات يَصْرفها أطباء قلوب لا علاقة لهم بالطب !

    فالجمالُ يبدأ منك ، أحاديثُك الرقيقة، كلماتك المحفزّة ، تأملاتك العميقة ، استشعارك للنعم، حمدك الدائم لله، فعلك للخير، ابتعادك عن الأذى والشر؛

    الجمال أنتَ ومنك يبدأ وينتشر ويزيد ويبقى …

  8. محمد عبدالرحمن

    26 مارس

    إفتتاحية المقال بسؤال صاعق.. كثيرون قد يتفاجأون به لطول الشُقّة بينهم و بين محاولةمعرفة أنفسهم ! و خاتمة المقال ترك الكرة في ملعبنا ولنا الخيار .. و إعمال الخيال في مآلات الحال..
    و ما بين البدابة والنهاية قدرة على وضع الحروف.. و الجُمل.. و حب الوطن .. و الإنسانية.. دون تخويف أو تهويل.. مقال متفرد و ناجح..

  9. إنعام المرزوق

    26 مارس

    مقاله نموذجيه ومثال حي في كيفية التعامل مع الحياة في هذه الازمة سيكون لها الأثر الكبير والسريع في تحريك المشاعر نحو الاستقرار والسعادة والحياة المطمئنة والمحافظة على الحياة الكريمة لكل فرد من أفراد المجتمع في ظل قيادتنا الرشيده، استاذتي الفاضلة فخوره دوما بك وبقلمك الصادق حفظك الله ومن يعز عليك من كل مكروه

  10. نوف الدوسري

    26 مارس

    مقال جميل .. جمع بين الحسنين : قوة الفكرة وسلاسة الاسلوب ، وفيه إشارة لطيفة للمعاني السامية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر المؤمن كله خير ، إن أصابته ضراء صبر وإن أصابته سراء شكر ،، ثراء الانسان هو بقيمة وعيه الفكري في الأزمات ،اللهم سلم وأرضى عن صاحبة المقال ، وارفع شأنها في الدنيا والآخرة …

  11. منى باقر الحداد

    26 مارس

    سنن الله في الكون ماألفناه منها وما لم نألفه.. وراءه من ميتافيزيقا الغيب ما يعلمه إلا الله وحده ..وهذا البلاء والابتلاء مجال لأن نستعيد فيه قوى بل وقوة الروح على الصبر والتماسك والاتحاد والتعاون واليقين بأن الرحمة من الله شمولية في الشدة والرخاء وتستحق منا تفكرا وتأمل💕

  12. فاطمه صميلي💕

    26 مارس

    زمن كورونا هو- زمن استثنائي – ولادة جديدة على مستوى الدولة، والأسرة، والفرد.
    مقال جميل ورائع سلمتِ وسلم قلمك ياأستاذه فاطمه

  13. حصة الهاجري

    27 مارس

    ‏( كارونا ) وباء وانتشر والله خير حافظ … ولنعلم ان كل مصيبة مكتوبة بكتاب من قبل ان نولد..
    مقاااال رائع وجميل ودائماً مبدعة ومتميزة استاذة فاطمة.

  14. ام عبدالله العطيفي

    27 مارس

    ماشاء الله مقال رائع حبيبتي فاطمة سلمت يدك وقلمك الله يوفقك وييسر امرك

  15. اختك هدى

    27 مارس

    تأملات رائعة 👍🏻أوافقك فيها تمامًا استاذة فاطمة واشكرك على تدوينها ليستفيد منها الآخرون 💐💐

اكتب تعليق