لا تجعل غيرك يثمّنك!
الكاتب : محمد البلادي

وقعت هذه القصة في العراق أثناء الخمسينيات الميلادية، حيث افتقد أستاذ جامعي أحد طلابالدراسات العليا النابغين، كان الطالب فقيراً، فخرج ذات يوم وهو جائع ولا يحمل في جبيه غير فلسونصف، كانت الوجبة من الخبز والفجل تكلف فلسين، فاشترى رغيفاً بفلس؛ وذهب الى صاحب محلالخضروات وطلب منه باقة فجل، ولمّا كانت الباقة بفلس قال للبائع: معي نصف فلس لاغير؛ وسوفأفيدك إن أردت في مسألة علمية أو فقهية بنصف فلس آخر.. فردَّ عليه بائع الفجل بتهكم: لو كان علمكذا قيمة لاشترى لك باقة فجل، اذهب وبلّل علمك بالماﺀ واشربه!. كانت هذه الكلمات أقسى من ضربالحسام على نفس صاحبنا، فخرج وهو يقسم ألا يعود لطلب العلم مرة أخرى.

افتقد الأستاذ تلميذه النجيب، بحث عنه وسأله، فقال: لقد كرهت العلم لأني لم أنتفع منه، سأبحث عنعمل يؤكلني خبزاً.. لم يجبه الأستاذ؛ لكنه أخرج خاتماً ذهبياً من اصبعه وطلب منه أن يبيعه ويأتيهبثمنه!، سار التلميذ إلى سوق (الصاغة) وهناك باع الخاتم بألف دينار ثم جاء بالثمن الى أستاذه الذيسأله: أين بعت الخاتم؟!، في محلات الصاغة أجاب التلميذ.. ردَّ الأستاذ: ولماذا ذهبت إلى محلاتالصاغة تحديداً؟!، فأجاب: هناك يثمِّنون الخواتم والمعادن الثمينة!، قال الأستاذ متعجباً: فلماذا إذاًقبلتَ أن يثمِّنك ويثمِّن علمك بائعُ فجل؟!، لا يثمِّن الأشياء يابُني سوى من يعرف قيمتها، وأنا أثمِّنك أنكمن أعظم طلابي، فارجع إلى درسك وعلمك.

كثيراً ما نقع في مثل هذه الخطأ عندما نسمع تثميناً خاطئاً فيؤثر فينا بشدة.. يقول الرافعي: «مقامكحيثُ أقمتَ نفسك، لا حيث أقامك الناس، فالناس لا تعدل ولا تزن»، ويقول أجدادنا: «اللي ما يعرفالصقر يشويه»، بمعنى أن من لا يقدِّر قيمة الأشياء قد يخطئ في التعامل معها.. أنت أعلم الناسبنفسك، فلا تجعل جهل الناس بك يغلب علمك بنفسك.. ‏زِن نفسك بميزان الحق والثوابت، وأنصفْ نفسكإن لم ينصفك الناس، وأعطِ نفسك قيمتها، دون غرور ولا استنقاص.‏‎

لا تجعل تقدير وتثمين الآخرين يؤثر على أفعالك وسلوكياتك.. بل زِن نفسك وحّكم عقلك وتَحكمبتصرفاتك، فمن المهم أن تعرف وزنك عند الله أولاً، ثم أمام نفسك وأهلك ومجتمعك، وأن تضع نفسك فيالمكان المناسب لها.. لا تنتظر هذا من الآخرين، فالناس يعاملونك كما تعامل نفسك، فإن اعتبرت نفسكأقل من الآخرين فإن الآخرين سيتعاملون معك على أنك أقل منهم فعلاً. لا تقلل من قيمتك أبداً ولاتنتقصها بل عامِلْ نفسك باحترام بغضِّ النظر عن فقرك وغناك أو ذكائك وعلمك.

عندما تسقط قطرة ماء في بحيرة فإنها تضيع وتكون بلا هوية، لكنها حين تسقط فوق ورقة شجرة فإنهاتلمع كاللؤلؤة، فاختر المكان الذي تلمع فيه، وانظر أين تتواجد ومَن تصاحب، ومَنْ تتابع، وماذا تقرأ،وماذا تشاهد، وسَتَعرف حينها من أنتَ، وما قيمتك،ولا تتردد في أن تترك المكان الذي لا تشعر فيهبقيمتك، لأنك عندئذ ستحفظ لنفسك قدرها، وستضع الناس في أحجامهم الطبيعية.

أبريل 1st, 2020300

اكتب تعليق