المستثمر الديناصور
الكاتب : عمر بن إبراهيم بن سليمان العُمري

 

يقال أن عدم المقدرة على التكيف مع البيئة كان سبب في انقراض الديناصورات….
دخلت أحد المتاجر الزراعية لآخذ كمية بسيطة من السماد للاستخدام المنزلي. كان صاحب المحل يتحدث معي عن نفسه بثقة، ثم استدرك وقال لي: ألا تعرفني؟
أجبته: آسف لا أعرفك.
قال لي: أنا فلان ومحلي المتواضع هذا الكل يعرفه فقد كنت كبير موزعي الأسمدة وكان متجري وهذا والمستودع الذي خلفه يضج بالزبائن من كل مكان، وكانت الشاحنات تقف صفاً طويلاً للتحميل والتنزيل أيام طفرة زراعة القمح.
في وقت مضى قبل ثلاثة عقود من الزمان كان هناك طفرة في زراعة القمح في المملكة وكانت زراعة القمح مجدية لدرجة أغرت الجميع وجعلت الأغلبية يملكون مزارع وانتعشت أسواق المعدات الزراعية وحفر الآبار وكل ما يتعلق بالزراعة في ذلك الوقت.
تغيرت الظروف فأصبح الموضوع غير مجدي وكان قسم من الناس يبكون على الأطلال ويتمنون عودة السوق كما كان. وغير مصدقين ما حدث، ويمنون أنفسهم أن الوضع سيعود قريباً. وبعضهم لم يصدق ما حدث من هول الصدمة واستمر على نفس النهج ظناً منه أن يعود السوق لسابق عهده.
وأصبح الحديث عن موعد صرف الصوامع يتداول بكثرة لدرجة، أن البعض إذا أراد أن يمزح مع شخص آخر مدين له بمال يقول له (أسدد لك إذا صرفوا الصوامع) ويقصد بذلك أنه يبيت نية عدم السداد.
كان في ذلك الوقت أناس آخرين أكثر وعياً منهم، سرعان ما استوعبوا ما حدث وحولوا تجارتهم إلى أشياء أخرى واستغلوا الفرص بشراء عقارات بسعر مناسب واكتتاب في أسهم شركات واعدة. وتداركوا وضعهم وعوضوا أرباحهم أضعاف مضاعفة.
اليوم نشاهد صعود شركات حديثة النشأة ذات أرباح خيالية وتنمو بسرعة في التجارة الالكترونية وغيرها من الأنشطة المعاصرة. والسر في تفوقها أنها جاءت بالتوقيت المناسب. والمستثمرين فيها لديهم سرعة تكيف ويعرفون جيداً حاجة الأسواق وأين تكمن الفرص.
حتى تاريخ كتابة هذا المقال، لا يزال الكثير يبكي على أطلال سوق الأسهم بعد انهياره عام 2006م وعلى بعض المشاريع التي كانت مجدية في حينها. رغم وجود الكثير من الفرص اليوم.
هناك من استثمر في المطاعم الافتراضية، وتقديم الخدمات عن بعد وكان من الأوائل في استثماراته عبر الاستثمار في التجارة الالكترونية.
لا أزعم أن الاستثمار الأمثل الان فقط للتجارة الالكترونية ولكنها على سبيل المثال، فالأنشطة العقارية والخدمية وغيرها الكثير لا زالت واعدة ومغرية. لكني أتحدث عمن يتعلقون بأشياء انتهى زمانها وطفرات انتهت في وقتها ومع ذلك هناك من يتعلق بها رجاء أن تعود ويضيع على نفسه فرص كثيرة. ولا يعلم أن كل باب يُغلق يفتح الله أبواب كثيرة غيره.
أؤمن بالتخصص والاحتراف في مجال معين، وألا يكون للمستثمر كل يوم نشاط جديد ويتخبط يمنة ويسرة. لكن هناك أحوال لا بد أن يكون للمستثمر مرونة أكثر وقدرة على التكيف على الأوضاع الجديدة للأسواق والبحث عن الجدوى بالدرجة الأولى. وأن يحاول التعايش مع وضع الأسواق وقدرة على المرونة والابتعاد عن العاطفة والتأسف على الماضي. فالبقاء للمستقبل.
_____________________
*القصيم – بريدة

أبريل 5th, 2020722

اكتب تعليق