دراويش برتبة جواسيس!
الكاتب : محمد البلادي

في طفولتنا؛ خلال فترة السبعينيات الميلادية كان وجود (الدراويش) في أحياء وشوارع المدينة المنورةظاهرة شائعة وملحوظة الى الحد الذي يمكن أن تجد درويشاً في كل حي من أحياء المدينة؛ وخصوصاًتلك المجاورة للمسجد النبوي!. معظم هؤلاء الدراويش كانوا نجوماً ومشاهير بمقاييس اليوم، فلكل منهمجمهوره ومحبوه، ولقبه و(لزمته) الخاصة التي يكررها على مسامع الناس كي يضحكوا ويحسنوا إليهبمال أو طعام .. اللافت والمحير كان تفاوت الشعور العام تجاه هؤلاء الدراويش، فبينما ينظر لهم البعضبملائكية ساذجة؛ وأنهم أناس مباركون، يجري الله الحكمة على ألسنتهم، كانت فئة أخرى تنظر لهم بشكوحذر وريبة وتؤكد على أنهم مجرد (جواسيس) وعملاء لبعض الدول المعادية يستحقون السجن!.. وكانهذا تناقضاً محيراً بالنسبة لأطفال في سنِّنا المبكرة.

حملت هذا التعجب لسنوات، حتى استهوتني كتب الرحالة الغربيين في الحجاز، وطرائق دخولهمللحرمين الشريفين فوجدت أن كثيراً منهمونظراً لمهامهم السريةيفضلون بالفعل التنكر في شخصية(الدرويش) كونها تخرجهم من الكثير من المآزق التي قد يقعون بها نتيجة ضعف معلوماتهم في الدينالإسلامي، فضلاً عن أنها تمنحهم القدرة على الدخول في كل مكان يرغبون دخوله بما في ذلك المساجدوالبيوت، فكثير من أخطائهم تمر دون عقوبة، ودون أن تلفت نظر أحد ، فالدروشة في الشرق مرتبة منمراتب الجنون مرفوع عن صاحبها القلم شرعاً وعرفاً.. إضافة الى ماتجلبه لصاحبها من أعطياتوهبات، فهناك من يتبارك بهم ويعتبرهم من أهل الله وخاصته! .

يعترف المستشرق الشهير (بيرتون) أنه تقمص شخصية الدرويش في العام 1853 م، عندما كانيتجسس لمعرفة القبائل التي كانت تقاوم الاستعمار ، فكان يمشي في الطرقات بلباس الدراويش، حتىأن أحد زملائه الضباط قام بضربه ذات مرة لشدة تنكره!.

يقول بيرتون: «ليس هناك شخصية في العالمالإسلامي ملائمة للتنكّر أفضل من شخصية الدرويش، فالدرويش يحل له ما لا يحل لغيره، ومن المسموحله أن يتخطّى قواعد اللياقة والأدب، باعتباره شخصاً ليس من أهل الدنيا، وقد يصلّي وقد يمتنع عنالصلاة، ولا أحد يسأل هذا المتشرد ذا الحصانة لِمَ يأتـي هنا ولِمَ يذهب هناك، وهذه المزايا مطلوبةللرحّالة ذي المزاج الحاد، ففي ساعة الخطر ما عليه إلى أن يصبح ممسوساً (به جِنة) فيصبح آمناً،فالمجنون في بلاد الشرق يشبه الشخصية الغريبة الأطوار في بلاد الغرب؛ إذ يسمح له أن يقول أو أنيفعل ما تمليه عليه الأرواح«!.

أما السلطان عبد الحميد الثاني فيسجل في مذكراته اعترافاً أشد خطورة، حين يُقرّ أن الدراويشكانوا جزءاً مهماً من دائرة الاستخبارات العثمانية منذ القرن الثامن عشر، عندما أدخلهم جدّه السلطانمحمود الثاني واستخدمهم للتجسس على الرعية عبر ما كان يسمى بـ»العرف العثماني»، وهي عمليةجمع للمعلومات من التكايا المنتشرة في ربوع البلاد بمشايخها ودراويشها، والتي كانت قنواتاستخبارات ومراكز لجمع الأخبار.

أكثر مخلوقات الله شراً ووحشية وجريمة على وجه الأرض هو الإنسان.. والكارثة عندما تكون الذريعةهي الدين أو الإنسانية.

مايو 2nd, 2020854

اكتب تعليق