أحيانا.. يكون الحل في الفشل !
الكاتب : محمد البلادي

 

▪ خلال الحرب العالمية الثانية لاحظ البريطانيون أن طائراتهم التي تخرج للقتال يسقط الكثير منها، ولا يعود إلا القليل؛ وهو متأثر برصاص الألمان.. درسوا أماكن إصابة الطائرات (العائدة) من أجل تدعيم المناطق الضعيفة فيها، فوجدوا أكثر الإصابات تقع في وسط الطائرة وجناحيها، في حين أن الكابينة والذيل لم تصب تقريبًا..و بالفعل تم تدعيم هذه المناطق، لكن المفاجأة أن النتائج لم تتغير، فالطائرات بقيت تتساقط بنفس المعدل تقريبًا !.. وهنا قرروا الاستعانة بعلماء من خارج دائرة الجيش، ووقع اختيارهم على عالم رياضيات اسمه (أبراهام والد) الذي صدمهم بقوله: أنتم تستخدمون منطقًا معكوسًا يا سادة، فالطائرات التي تفحصونها هي طائرات ناجية، وهذا يعني أن الرصاص الذي أصابها في الأجنحة والمنتصف لم يؤثر فيها بدليل أنها عادت، بينما لم تعد طائرة واحدة من التي أصيبت في كابينة الطيار أو الذيل مما يدل على أن هذه هي الأماكن الضعيفة فعلًا، وهي التي تحتاج إلى التدعيم!.

▪ للعقل صناديق ودوائر شديدة الانغلاق، وما لم يكن لدى الإنسان القدرة على التنقل بينها بسهولة وحرفية فإنه يظل حبيسًا لفكر نمطي تقليدي لا يؤدي إلى شيء ذي بال؛ حتى ولو أجهد نفسه وعقله بالتفكير والتحليل، لأنه تفكير منقوص ومتحيز ومتأثر بما يسمى (انحياز الاختيار)، وهذا العقل من الصعب أن يأتي بحل إبداعي مختلف ما لم يخرج من تلك الدائرة الضيقة.. لم يهتدِ المهندسون البريطانيون للحل لأنهم ببساطة كانوا يفكرون باتجاه واحد، ولو خرجوا من دائرتهم الضيقة ونظروا في الاتجاه المعاكس كما فعل أستاذ الرياضيات لوجدوا الحل بسهولة.

▪ على المستوى الحياتي نقع كثيرًا في هذا الانحياز الذي يحاول حل المشكلة وهو لا يرى غير نصفها.. خذ مثلًا عندما نوجّه أبنائنا؛ ونغرقهم بالنصائح (اللفظية) ظنًا منّا أننا ندعم المناطق الهشة فيهم، ثم نصاب بالصدمة والإحباط عندما لا نجد لهذه النصائح أي جدوى!.. نحن هنا لم ننتبه إلى أننا نسينا -أو تناسينا- أن ندعم سلوكياتنا وتصرفاتنا أمامهم كآباء وقدوات أولًا، لقد افترضنا أن المشكلة في أبنائنا، ولم نلتفت إلى أن المشكلة قد تكون فينا نحن، وأن بعض سلوكياتنا الشخصية هي من تحتاج الدعم، فالأبناء يتعلمون بالقدوة أكثر مما يتعلمون بالحكم والنصائح اللفظية أو حتى بالتوبيخ!.. والنتيجة فشل متوارث في تربيتنا لأننا ما زلنا ننظر للمشكلة نظرة قاصرة كما فعل البريطانيون!.

▪ ليس على مستوى التربية فقط، فكثير من مشروعاتنا الشخصية تفشل للأسف لأننا ننسى النظر لطائراتنا التي عادت وطائراتنا التي لم تعد بنفس الأهمية، ولأننا ننسى أيضًا أن نعطي لأسباب النجاح وأسباب الفشل نفس القدر من التحليل والدراسة، مما يخضع تحليلنا المعلوماتي للانتقائية والتحيز.. والخطأ في التحليل يقود بالتأكيد إلى خطأ في النتائج.

▪ تدعيم النجاح لا يكون بدعم المحاولات التي نجحت فقط، بل الأهم أن نفتش في المحاولات التي فشلت، لم فشلت، فأحيانًا ينبع الحل من الفشل لا من النجاح.

مايو 13th, 2020489

اكتب تعليق