حتى لا نفقد خيرية جمعياتنا !
الكاتب : محمد البلادي

حديث معالي وزير الشؤون الإسلامية عن اكتشاف وزارته لـ٢٢ جمعية خيرية وهمية، ترك أثرًا سلبيًا لدى البعض تجاه هذه الجمعيات، وزعزع الثقة في الكثير منها، ليس لأن هذا الكلام يقال لأول مرة، بل لأنها المرة الأولى تقريبًا الذي يأتي من مسؤول بهذا المستوى.. فقد رفع التصريح العلني المثير من وتيرة ما كان يتهامس به البعض عن وجود تكتلات توجّه المعونات، وتتلاعب بها، الأمر الذي دفع البعض للمطالبة بحلّ هذه الجمعيات، وتحويل التبرعات الى صناديق الزكاة والضمان الاجتماعي، وهذا مطلب متسرع في رأيي وقصير النظرة، فوجود الجمعيات الخيرية والقطاع غير الربحي عمومًا هو أمر محسوم، لضرورتها لأي مجتمع متحضر، ومهما كان حجم التجاوزات التي قد تحدث في هذه المؤسسات فإنها لازالت أقل بكثير مما تقدمه للمجتمع من منافع وخدمات.

* هذا لا يعني أنني لا أطالب بتكثيف الرقابة وتشديدها على عموم الجمعيات الخيرية، وابتكار آليات رقابية جديدة، خصوصًا مع ما نشهده من تقدم كبير في مجال رقابة تدفق الأموال وحركتها، فالرقابة ضرورة ليس لضمان عدم تسرب الأموال بطريقة غير شرعية فقط، بل لبقاء المؤسسة نفسها، ولنمو القطاع الخيري كله أيضًا، فالشفافية والوضوح من أسباب زيادة ثقة المجتمع في هذه المؤسسات، وبالتالي ازدهارها وزيادة عددها وتوجهها لتغطية قضايا مجتمعية جديدة مثل البطالة والمخدرات وضحايا الطلاق وغيرها من القضايا التي لم يطرقها العمل الخيري السعودي بعد.

* في أمريكا التي بها قرابة مليوني جمعية خيرية يتم ترتيب الجمعيات في قائمة سنوية على حسب كفاءتها وشفافيتها والتزامها بالاتفاق الخيري، كي يطمئن المتبرع لأرقام المؤسسة قبل التبرع لها، وتصدرت القائمة في العام الماضي منظمة (Feeding America) التي بلغت إيراداتها 2.2 مليار دولار، وبلغت كفاءة جمع التبرعات بها 99%، أما على معيار الالتزام بالعمل والانفاق الخيري فقد حققت 99%، أتت بعدها جمعية (Salvation Army) بإيرادات 209 مليار دولار وكفاءة جمع أموال 88% والتزام بالعمل الخيري 82% ، ثم جمعية الشبان المسيحيين و(غوديل) وهكذا حتى نهاية القائمة.

* لا شك أن بعض جمعياتنا الخيرية لازالت تعاني من ترسبات وآثار فكر (جماعة الإخوان المسلمين) التي كانت تهيمن سابقاً على مساحات كبيرة من مؤسسات العمل الخيري، وتبيح لنفسها اقتطاع أجزاء ضخمة من الأموال تحت بند (العاملين عليها) وبند (دعم المنظمة الأم)، وهذا المنهج (اللصوصي) لم تتخلص منه بعض الجمعيات للأسف، فبعض المتاجرين بالدين والمنتفعين لازالوا يتسببون في زعزعة ثقة الناس في القطاع الخيري كله، ومن هنا تظهر أهمية ما نطالب به من تكثيف الرقابة على الجمعيات كما قلنا، وكشف مصداقيتها ومدى التزامها للناس، من أجل حمايتها أولاً، ولكي تطمئن قلوب المتبرعين.

* الجمعيات الخيرية ضرورة مجتمعية لابد من الحفاظ عليها، والحفاظ عليها لا يكون إلا بتنقيتها من الشوائب، وتبييض صفحتها من أي سواد تسبب به أشخاص منتفعون أو جماعات غابرة.

 

مايو 20th, 2020395

اكتب تعليق