وقف الوقت
الكاتب : د. عبدالله بن معيوف الجعيد

إن الوقت هو أثمن ما يمتلكه الإنسان في هذه الحياة، وما من وصف يجعل للوقت في حياة الإنسان قيمته الثمينة غير كونه مادة الحياة، فما حياتنا إلى مجموع ما نمتلكه من أوقات، ولذلك كان الوقت أنفس ما يمكن تقديمه ووقفه في العمل الخيري وتقديم المنفعة للناس بدون مقابل، والمقصود بمصطلح وقف الوقت هو تخصيص جزء من وقت الإنسان يقضيه في تقديم خدمة معينة للمجتمع بما يمتلكه من خبرة ومعرفة ومهارات سواء كانت في مجال تخصصه أو خارجها، وقد تكون الأعمال التي يقدمها الإنسان من خلال وقفه لجزء من وقته أعمالاً تقدم النفع للمجتمع بشكل عام أو لفئة خاصة من فئات المجتمع، ومع أن الوقف مفهوم ليس بالحديث إلا أن وقف الوقت يعتبر مفهوماً حديثاً ظهر في ظل التعقيدات الموجودة في حياتنا في العصر الحالي وحاجة المجتمع إلى تكاثف جهود أفراده ومنظماته في محاولة لتقديم أفضل الخدمات الممكنة في سبيل تحقيق الرقي والازدهار للمجتمع، ويعد وقف الوقت صورة من أروع صور انتماء الفرد لمجتمعه لما يساهمه في تحقيق النهضة في مختلف مجالات الحياة، كما أنه ليس بالظاهرة الدنيوية الاجتماعية فحسب بل إن وقف الوقت صورة من صور العبادة التي تندرج تحت مفهوم خدمة المجتمع وخدمة الناس حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: (أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس).
ووقف الوقت ليس المقصود به أن يقضي الشخص كل حياته في العمل التطوعي، بل هو أن يقوم من يمتلك علم أو مهارة في مجال معين بتخصيص جزء من وقته بدون مقابل سواء بتعليم الناس لذلك العلم أو تلك المهارة أو بتقديم الخدمات بما يمتلكه من علم ومهارات بشكل مجاني، ويمكن القيام بذلك من خلال تخصيص جزء محدد من الوقت يتم التفرغ فيه للعمل التطوعي بدون مقابل، كأن يتم تخصيص نصف ساعة من اليوم لتقديم استشارة أو خدمة معينة، أو بتخصيص بضعة أيام من الشهر أو السنة في تقديم خدمة أو تعليم مهارة لمن يحتاجون ذلك، ولا يشترط أن يقتصر وقف الوقت على التخصص فقط بل من الممكن أن يتم صرف هذا الجزء من الوقت في العمل الدعوي أو العمل الخيري بشكل عام، فمفهوم وقف الوقت قائم على تقديم المنفعة لمن يحتاجها مهما كانت هذه المنفعة.
ويعتبر وقف الوقت من القيم السامية التي يجب أن يتم نشرها كثقافة سائدة في المجتمع لما لها من الآثار الحميدة التي لا يمكن حصرها، ولا يجب أن يقتصر هذا المفهوم على العمل الفردي بل إن تنميته وتحويله إلى عمل جماعي يساهم بشكل لا يمكن نكران أهميته في تطوير الخدمات والأعمال التي يتم تقديمها من خلاله، فمن الممكن أن يتم الاتفاق بين مجموعة من أصحاب المهارات في مجال واحد على تأسيس منصة تجمع بينهم يكون من شأنها تنظيم الأعمال والخدمات التي يقدمونها، مثل أن يقوم مجموعة من العاملين في المجال الطبي بعمل منصة لتنظيم أعمالهم خلال الوقف، كما أن لهذه المنصات أهمية كبيرة في نشر الوعي بخصوص مفهوم وقف الوقت، من خلال استخدامها في التواصل مع العاملين في نفس المجال ودعوتهم للمشاركة في وقف الوقت وتقديم خدماتهم خلاله بشكل مجاني لمن يحتاجونها، ويتم تأسيس مثل هذه المنصات في مختلف المجالات والتخصصات التي تهم وتخدم مختلف حاجات المجتمع مثل التعليم والتدريب وغيرها، فإذا أراد شخص أن يشارك في أحد المشاريع الخيرية فيقوم بالتواصل مع هذه المنصات والتنسيق معها ليضمن أن ما يقوم بتقديمه من خدمات يصل إلى من يحتاج إليه بالفعل، وإذا ما احتاج أحد إلى خدمة ما يتواصل مع هذه المنصات ليحصل على الخدمة التي يحتاج إليها بطريقة صحيحة.
ولما لوقف الوقت من أهمية كبيرة فإنه من المهم الأخذ بالمبادرة للتأسيس لهذه القيمة ونشر الوعي حولها في مختلف المجالات في المجتمع، لتكون قيمة أساسية ومبدأ عام في حياة الناس، وخاصة عند أولئك المميزين من أصحاب الخبرات في مختلف المجالات والذين من شأن مشاركتهم في مثل هذه المشاريع أن تساهم في نشر المعرفة وتقديم الخدمات المميزة التي تؤثر في حياة الناس وترتقي بها لتوصلها إلى أرقى المستويات، وذلك من خلال تأسيس المنصات المختلفة ودعمها.
وبما أن الوقف أصبح يتعدى مفهومه التقليدي المعروف لدى العامة وتطور ليشمل جوانب مثل الوقت وصرفه فيما يقدم منفعة للناس من خلال الأعمال الخيرية التطوعية، فإنه من الواجب على المؤسسات التي تقوم على الوقف أن تطور من نفسها لتتماشى مع هذا المفهوم وتسانده وتدعمه من خلال تقديم المشاريع المختلفة، ولعل أبرز وأهم ما يمكن للمؤسسات الوقفية أن تقدمه لتطوير مفهوم وقف الوقت وتعزيزه كقيمة أساسية أن تقوم بتأسيس ودعم المنصات التي يتم من خلالها تنظيم مساهمة الأشخاص في الأعمال الخيرية التطوعية من خلال وقف الوقت، وذلك ليتم الاستفادة من المهارات والخبرات والمعرفة المتميزة التي يمتلكها هؤلاء الأشخاص بشكل صحيح وفعال في تقديم المنفعة للجهات المستفيدة على اختلاف أنواعها واحتياجاتها، ودور المؤسسات الوقفية في تنمية هذا المفهوم أمر لا يمكن إهمال أهميته وذلك للخبرة التي تمتلكها هذه المؤسسات في التعامل مع المشاريع الوقفية والاستفادة منها بالطرق المثلى، لذلك فإنه من الأهمية بمكان العمل على احتضان مشاريع وقف الوقت من المؤسسات الوقفية والتوعية بأهميتها وأهمية المشاركة فيها بما يعود بالنفع على المجتمع بأسره.
ولا زالت قيمة وقف الوقت تمارس في حدود ضيقة ولا تحظى بالوعي والدعم المناسبين، ولذلك فإنه من الضروري أن يتم تنظيم الحملات التي من شأنها أن تساهم في نشر الوعي بهذه القيمة حتى يتم الوصول إلى أكبر قدر من الكفاءات وأصحاب المهارات المتميزة ليقدموا خدماتهم بشكل مجاني لكل من يحتاج إليها بصورة مناسبة وبكفاءة وفاعلية.

يوليو 2nd, 2020454

اكتب تعليق