أطفالنا و المشاهير
الكاتب : نادية عبدالعزيز قربان *

 

” المشاهير ” مصطلح أصبح متداول لا يعني شيء سوى كثرة الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن لا يجمع من يحملون هذا اللقب أي هدف أو محتوى أو رسالة هو مشهور إذاً هو شخص تجد صوره وكلامه وتعليقاته في كل مكان من حولك، ويتداول الآخرون فيدوهات على التويتر، والانستقرام، والسناب، أوحتى التيك توك سواء كان هذا المحتوى جيد أو العكس .
ويمكن تصنيف المشاهير لنوعان :
الأول: هوشخص ذا محتوى و يقدم الكثير من المعلومات الجيدة للمجتمع كاالأطباء الذين يقدمون معلومات طبية و المهندسين الذين يقدمون نصائح في التقنية .. إلخ، وهذا النوع من المشاهير قدم محتوى فتداوله الآخرون لقيمة ما يقوله كصاحب اختصاص فأصبح مشهوراً بمحتواه وقد يستفيد بعدها من شهرته في تسويق سلع لها علاقة بتخصصة وبما أن الآخرين يثقون به فهم بالتالي يسمعون نصيحته .
أما النوع الآخر:هو الذي ليس له أي محتوى حصل معه موقف بالصدفة وتداول الناس هذا الموقف حتى عرفه الجميع , أو شخص يقدم محتوى فارغ مبتذل لدرجة أن الجميع يتفقون على مهاجمته , فيظهر الجانب الآخر المتعاطف مع كمية التنمر التي يواجهها هذا المشهور فتكون شخصية “مثيرة للجدل ” بين مؤيد و معارض فيصبح مشهوراً , وتلك النوعية هم من شوهوا معنى القدوة، وأصبحت القاعدة “كن تافها مبتذلاً تصبح مشهوراً” ثم تستقبل إعلانات وتصبح صاحب كلمة ومشورة , فتدلوا بدلوك في كل موضوع يطرح على الساحة وتصبح مدافع عن حقوق الانسان، ومفتي شرعي، ومصلح اجتماعي، وممكن دكتور يقدم نصائح طبية ..إلخ. لأن تعداد كل ما يفعله المشهور لا نهاية فهو يبحث عن مضمون ليصف نفسه أنه صانع محتوى، كما انه ببساطه يتبع كل ما يدر عليه المال وأن كان فيه كذب أو تضليل أو كسب مال بغير وجه حق .
في المرحلة الثانية تأتي إستضافة بعض القنوات الإعلامية التي فيما مضى كانت لا تقدم الا أصحاب الإنجازات و لا تعرض الا ما يحمل مضمون أما مع ما نعيشه من محتوى سخيف فلم يعد لهم إلا مجاراة الوضع لزيادة المتابعة وبالتالي الكسب المادي الأعلى ،ولم يعد هناك مانع في برنامج حواري استقبلت فيه كاتب وشاعر أن تستضيف ذلك المشهور الذي يتداول الجميع فيدوهاته التي يشتم فيها بألفاظ نابية و يستهزء بالآخرين أو يلمح في أغلب ما يطرحه تلميحات غير أخلاقية، وتحاوره، وتسأله عن رأيه فيما يحدث على الساحة السياسية، وتأثير التغيرات الاجتماعية على القيم، وكيف بنى نفسه، وصنع مجده المزيف الهش، فأكيد انه عنده من الرأي السديد الذي يتقبله جيل اليوم , فهو من وجهة نظرهم ” قريب من الجيل الجديد”.
بعد كل هذا السيناريو الذي يتكرر حولنا كل يوم وكل ساعة,, أطرح سؤال ؟
ما هي الرسالة التي نريد تقديمها لجيل الغد ؟
ماذا نريد أن يكون فكرهم ؟ وأي قيم سيتبنون ؟ وأي قدوة سيتبعون؟
مجدنا لهم المحتوى التافه، وجعلناه تحت الأضواء و استضفنى أصحابه كشخصيات مؤثرة في الكثير من الفعاليات وقدمنا لهم الجوائز والتكريمات، كما انه في كل يوم نجد أسماء هؤلاء في هاشتاقات تصل للترند بين مهاجم ومدافع، حتى أصبحت هذه الأسماء معروفة لجميع شرائح المجتمع من مختلف الأعمار والخلفيات، ويتداول المجتمع محتواهم السيء، وأجدها من أسوء الظاهرات المجتمعية الدخيلة التي استحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، وجعلت صوت لكل شخص سواء كان اهلاً لذلك أم لا.
من زاوية أخرى ,إن أردت رؤية تأثير ظاهرة المشاهير على جيل اليوم يكفي أن تتابع من حولك من الأطفال وتراقب مصطلحاتهم التي أصبحت أبعد ما يكون عن اللغة العربية فأصبحوا يتداولون كلمات إنجليزية تم تطبيق قواعد اللغة العربية لتكون لغة ليس لها أصل إلا اجتماع جيل الشباب على معناها فأصبحنا في غربة من هذه اللغة التي أصبحت لغة جيل في زمن العولمة، ومن جانب آخر لا يمكن إغفال التأثير على الجانب الديني الذي أصبح يرى فيها بعض جيل الشباب و وخاصة المراهقين من الفتيات أن السعادة في التحرر من القيم الإسلامية وأن الالتزام بها يمثل التخلف والرجعية , فقد أصبح معنى القدوة السوية أمر مبهم مشوش عند البعض ولم يجدوا تحت الأضواء إلا هؤلاء الذين يجدون آراءهم في جميع وسائل التواصل الاجتماعي من حولهم، ومن جانب آخر نجد تأثيره على الأخلاق والقيم الإسلامية بالإضافة إلى الهوية العربية الأصيلة التي تميزت بالحياء الذي هو شعبة منها فأصبح التعدي على الآخرين،و المجاهرة بالسوء أمر مقبول كي لا يكون كما يقول “مستشرف ” , من قال اننا بلا معاصي بل قالها سيد البشر صلى الله عليه و سلم ” كل ابن ادم خطاء” و لم يستثني أحد، ولكن بالمقابل لم يدركوا القاعدة الأخرى في قوله ﷺ ” كل أمتي معافى إلا المجاهرين” أي أن الدين أمر الإنسان أن يخفي معاصيه ولا يفتخر بها لأن الله غفورا رحيم للجميع إلا المجاهر، ونجد أن المنظومة اختلفت عند البعض لأن أغلب هؤلاء يجاهرون بحكم انه شخص عصري “كول”، وبالتالي اتبعه قليلي الخبرة و النضج من الأطفال والمراهقين فأصبحوا ظاهره لذلك لابد أن يكون هناك وقفة قبل فوات الأوان , ولن تكون هذه الوقفة مؤثرة إلا بتكاتف المجتمع .
أخيرا, رسالة للمربين ووسائل الاعلام والأهل وكل صاحب كلمة وقرار عليهم العمل على إيقاف هذا الاستهتهار بقيم مجتمعنا وديننا وفكر أطفالنا، ولذلك لا يمكن أن يكون إلا بتكاتف جميع أفراد المجتمع، وعلى الإعلام أن يتوقف عن إستضافة هؤلاء لمجرد إثارة الجدل وجذب المعلنين فهم المنصة الأولى التي تتوج هؤلاء المشاهير ليظهروا للعلن وتعطي لأطفالنا رسالة : “هكذا تكون تحت الأضواء ” فالشهره تعني المال ،وهذه للأسف من الأمور التي مررها هؤلاء المشاهير، وأصبحت المادة أولاً حتى إن كانت مقابل الكرامة،ومن جانب آخر على جميع أفراد المجتمع أن يتوقفوا عن تداول مقاطعهم وأسمائهم وكلامهم لا بالنقد أو التأييد حتى يختفي وجودهم في الإعلام ويفقدوا لقب “مشهور “،وبالطبع دور العائلة مهم جدا فمتابعة الأطفال فيما يشاهدونهم أمر ضروري و المتابعة هنا لا تعني المراقبة بل النقاش والتقرب من الأطفال و احتوائهم حتى لا يكون هذا المشهور أقرب لأبنك منك، وعلم طفلك كيف ينقد وشاركه، وأجعله ينبذ هذا الابتذال و يعتز بقيم دينه، وعلمه معنى الكرامة وأنها أغلى ما يملكه الإنسان ،وأنها لا تقدر بمال، فمن أساس التربية لهذا الجيل هو النقاش ولا تعتقد أن هذا الجيل لا يفهم بل بالعكس لو ناقشته ستتفاجئ بمستوى الوعي و القدرة على النقاش والحوار و الإقناع فحاول أن توجه هذا الذكاء في بناء شخصية مستقلة لها رأي وطموح وكن لها قدوة. تعلم كيف تصبح صديق لطفلك كي لا تفاجئ به شخصاً لا تعرفه في المراهقة له توجهات التي لا تنتنمي لك وله أفكار تنبذها , قد تكتشفها متأخرا ولا يمكن وقتها تغيير قناعات زرعها هؤلاء المشاهير في طفلك فتنبه قبل فوات الأوان ،وليضع كل صاحب مسؤولية قول الرسول صلى الله عليه وسلم :”أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ “.

 

* عضو هيئة تدريس بجامعة أم القرىقسم طفولة مبكرة

 

يوليو 23rd, 2020187

اكتب تعليق