قريتي ثادج سأعود إليك فلاحا
الكاتب : مشعل أبا الودع الحربي

 

بعد غياب أكثر من أربعين عاما، والسكن بالعاصمة الرياض قلب الجزيرة النابض ، أعود لتلك القرية وذكريات الطفولة وعلى مقربة من وادي الرمة هناك ، أعود لتلك القرية الحالمة حيث المزارع الخضراء … تسقي الوجدان و تنزل على القلب العطشان، ترويه و تعيد له الحياة.
أعود من حيث تعب الفؤاد و تشابهت الدقائق و الساعات ، ومن حيث أغرتني المدينة بزحمتها و اضوائها ،أعود إلى أصلي و إلى القرية التي ظلت تسكنني بكل ما لها و عليها. أربعون عاما لم تكن كافية لتنسيني هذا الجزء مني ، و المثقل بطفولة شقية… بأحلام الصبا العشوائية… و بخيال والدي الذي يتبعني و ملامح والدتي التي تتلحفني بسياط الشوق .
بلغت سن النبوات و تجاوزته، و حنيني إلى الأرض التي ألقيت فيها أول صرخة لي ، و إلى أيام الصبا و أول الخطوات… ينتشلني اليوم من الرياض ليجمعني و المكان الذي زاد شوقي إليه بكل مكوناته… من ناس و أرض و أجواء.
القرية هنا لا مثيل لها ، قد تبدو للوهلة الأولى أرضا جرداء محاطة بجبال شعثاء للغاية ، لكن من وطأت رجله بها تعانقه و ترمم شتاته ، حنانها لا مثيل له … متحف للفن و مخلوق طيب يأتي في موعده دائما ، يستأذن بأدب ، و ينزوي بغرفة قلبية ما و يتخذها مسكنا.
أنا هنا اليوم ، و الأرض أرضي و القبيلة قبيلتي ، و كل أطراف جسدي أخذت قسطها من روح مكانها الأصلي ، أشعر حقا بأن المسافة بين الموت و الحياة تتمدد حتى تصبح بطولها، و أن المسافة بين الحلم و الواقع تنكمش حتى تصبح نقطة كما تبدو لي قمة الجبل الشامخ أمامي الآن.
في الرياض أنا عامل الداخلية الوفي و هنا أنا الفلاح الذي أغوته البساطة ، بعيدا عن اشتباكات المدينة و بروتوكول العمل و السيادة . و لحسن حظي أظل كاتبا هناك و هنا ، أتأبطها حيث ما ذهبت و وليت.
منذ أن غادرت هذا المكان ، و ملامحي تتآكل بسرعة و مزاجي نمت له زوائد حادة في جميع الاتجاهات، حتى صار متمردا على كل شيئ. إثر عودتي ، رجعت طفلا وأصلحت الطبيعة ملامحي و الأنشطة التي أمارسها هنا عدلت مزاجي و أهدتني منطقة من الاحتواء تغري بالبوح و التصالح مع الماضي.
العودة للأصل شفاء للروح ، و ري الذات التي تحن دائما إلى من حيث أتت ، و ثادج عروسي الجميلة التي تستحق عودتي لها فلاحا بسيطا و كاتبا يصنع معان وفيرة بكلمات قليلة جدا.

مشعل أباالودع الحربي

أغسطس 16th, 20201036

اكتب تعليق