المهارة الأكثر احتياجاً !
الكاتب : محمد البلادي

 

▪️نشتكي كثيراً من فتور العلاقات؛ وبرودة التواصل الاجتماعي والعائلي، ومن سفسطائية نقاشاتنا وعدم فهم الآخرين لنا بشكل جيد، ولا ننتبه الى أننا بتنا نفتقد لواحدة من أهم المهارات الإنسانية المسئولة عن بناء العلاقات و تحسينها، مهارة (الاستماع الجيد)!. إننا نبخل للأسف بهذه المهارة حتى على آبائنا وكبارنا حين نحادثهم ونحن منشغلون إما بريموت التلفزيون أو بهواتفنا النقالة، مرسلين اليهم بإجابات معلّبة وروتينية لا معنى لها ولا روح فيها؛ ثم نتباكى على أزمنة الاحترام والحكمة والقيم العليا!.. نتحدث مع أطفالنا ونحن منغمسون حتى آذاننا في وسائل التواصل ثم نشتكي عقوقهم وسطحيتهم!.. نشتكي أيضاً من عدم احترام الآخرين لآداب الحوار معنا؛ متوهمين أننا نوليهم الاهتمام الكامل، مع أننا في أحيان كثيرة لانستمع لهم أصلاً ، ولا نهتم بتفهم صحة الأفكار ،بل (نبحلق) ونرتب ردودنا الصاعقة المفحمة عليهم!.

▪️مهارة الاستماع الجيد ليست من المهارات السهلة كما قد يبدو للكثيرين منا، السهل هو الاستماع السلبي، أما النوع الإيجابي فهو عمل شاق له قواعده التي تتطلب تركيزًا وقدرًا كبيرًا من الطاقة العقلية.. يقول ستيفن كوفي وهو واحد من أهم من كتبوا حول هذه المهارة المهدورة: «يحرص معظم الناس على أن يتم فهمهم أولاً، لهذا يميلون إلى مقاطعة المحادثة أو حتى اختطافها، بدلاً من الاستماع الجيد»، ويضيف: «معظم الناس لا يستمعون بقصد الفهم؛ بل بنية الرد»!.

▪️من أبسط قواعد الاستماع الجيد الحرص على التواصل البصري مع المتحدث، فالعيون هي بوابات الأرواح كما يقولون، وأحيانًا تبوح لك عيون المتحدث ولغة جسده بأسرار ودلالات أكثر من التي يبوح بها لسانه، لكن هذا يتطلب أن تترك كل شيء وتنظر الى محدثك باهتمام، فهذا محفز له للاستمرار خصوصاً إن دعمت تواصلك البصري بإيماءات إيجابية تنبئ المتحدث بتجاوبك وتفهمك وارتياحك لما يقول. لا تقاطع محدِّثك، فالمقاطعة هي أقوى أدوات السلبية لأنها تغتال أفكار المتحدث، وتدفعه للحدة في الحديث ورفع صوته لاستكمال فكرته والدفاع عنها، مما يدفع بالنقاش كله نحو الصراخ وتدمير أي فرصة لفهم أعمق.

▪️ إن أكثر ما يدفعنا إلى تدمير بروتوكولات الاستماع الجيد هو الغرور، فالإنسان بطبعه يحب أن يكون على صواب دائماً، وأن يظهر للآخرين مدى معرفته أو ذكائه، لاحظ أن أكثر ما نقوله في نقاشاتنا الجدلية قد لا يعبر عن الحقيقة التي نؤمن بها بل هو تلبية لغرورنا فقط، وكأننا لا نعلم أن الحكمة والمعرفة الحقة وتقدير الناس هي مكافآت سنحصل عليها بعد سنوات من تفضيلنا للاستماع الجيد على التحدث المتسرع.

▪️الاستماع الجيد هو المهارة الأكثر احتياجاً في عصر النقاشات الطرشاء، التي تقول كل شيء ولاتقول شيئاً.. إنها المهارة التي ستبني فيك الحكمة والتعقل والصبر والثقة، وتقلل من الضجيج وسوء الفهم من حولك.. و الأهم من ذلك كله أنها المهارة التي ستميزك عن حشود الجدليين والثرثارين وحمقى النقاشات البيزنطية.

أكتوبر 10th, 2020214

اكتب تعليق