حمار كرف !
الكاتب : محمد البلادي

 

▪️يشيع في أدبيات الإدارة العربية مصطلح مثير للعجب والسخرية في آن؛ هو (حمار كرف)!.. ويشير هذا المصطلح الذي أكاد أجزم أنه من أهم أسباب الأزمة المزمنة للإدارة العربية ‏إلى موظف محدود الذكاء والقدرات الإبداعية، لكنه يتميز بميزتين يراهما رؤساؤه تفضلانه عما سواه، الأولى هي قدرته الكبيرة على (الكد) والعمل الشاق، حيث يقبل هذا النوع من الموظفين بأعمال لا يقبل بها غيره من ناحية النوع أو الزمن.. والميزة الأخرى وربما تكون الأهم‏ في نظرهم هي عدم فهمه لكثير مما يقوم به من أعمال، وهذه حسنة كبيرة تقربه وتطمئن قلب من اختاره تجاهه! .

▪️ لابد أنك قد وقفت يوماً أمام أحد الموظفين متسائلاً: كيف يصل رجل محدود أو متوسط الذكاء -حتى لا أقول غبي- إلى مركز مهم يتطلب حداً أدنى من القدرات العقلية والاجتماعية، ومن العلم والإبداع والابتكار؟!.. بالطبع إن لم يأت به براشوت الواسطة، فإن الإجابة الأقرب للمنطق هي أنه جاء من خلال مدير جاهل أو فاسد أو متكاسل، سخره لمصالحه الخاصة.
سألت ذات مرة أحد الأصدقاء عن سبب اختياره لرجل متوسط القدرات كمساعد له رغم وجود من هم أفضل منه بكثير فقال: «وليه أجيب واحد يناقرني ويسوي علي فاهم؟!.. هذا الرجل يعمل أحياناً حتى الرابعة عصراً دون تذمر، وينفذ المطلوب منه بدقة».. شكرته ‏حينها لأنه أجابني دون أن يعلم على سؤال أهم هو: لماذا يبدو بعض المدراء أغبياء‏؟!، فبعد أن يخدم (حمار الكرف) لسنوات طويلة يكافئه رئيسه بوضعه ‏على كرسيه قبل أن يغادر، ‏وهذا من الخبث الإداري الذي يعمد إليه الرؤساء المغادرون، أولاً كي يظهروا تميزهم حتى بعد غيابهم عن العمل‏ وثانياً لكي تكون (حمير الكرف) امتداداً لهم في المنظمة!.

▪️‏ الكفاءة.. ولا شيء غير الكفاءة هي من يجب أن تحكم اختيار الموظفين وترقيتهم، ‏ لسنا بحاجة لعقليات كل ما تجيده هو الطاعة والولاء لمن أتوا بهم ، والعمل الروتيني لساعات أطول، قدر حاجتنا لمبدعين قادرين على التطوير والابتكار والإبداع والإنتاجية وخدمة الوطن.. لاشك أن الاجتهاد في العمل والقدرة على تحمل أعبائه هي إحدى السمات التي تفضل مرشحاً على آخر، لكنها لا يجب أن تكون المعيار الأول أبداً، وإلا لتحقق قول أنيس منصور في هذا الباب «لو كان الثراءُ بقدرِ العمل الشاق، لبات الحِمار على سرير من ذهب» !

▪️ثمة طرفة قديمة ربما تصلح خاتمة للمقال تقول: إن فيلاً هرب من الغابة، ولما سألوه: لماذا تهرب ؟! أجاب: لقد قرر الأسد قتل كل الزرافات. قالوا: لكنك فيل ولست زرافة، قال: أعلم .. لكن الأسد كلف الحمار برئاسة الفريق!.

▪️عندما تدخل المحسوبيات في التعيينات، وتسند الأمور إلى غير أهلها، ويسعى مدير المنظمة لتقريب من ينفذون مصالحه الخاصة على حساب المصلحة العامة من خلال معايير تهتم بالكم لا بالكيف فلا بد هنا أن تغيب الكفاءة وتهرب العقول، وتترسب حمير الكرف في المنظمات!.

أكتوبر 14th, 2020160

اكتب تعليق