هل أصبح العلم يُكيّل بالباذنجان؟!
الكاتب : محمد البلادي

 

▪️قبل أكثر من ٤٠ عاماً، أطلق الممثل عادل إمام من فوق خشبة مسرح المشاغبين مقولته الشهيرة: (العلم لا يُكيّل بالبتنجان). . هذا (الإفّيه) -بلغة الممثلين- الذي كان يحمل يومها سخرية غير مسبوقة رأى عرب ذلك الزمان أنها في غير محلها، فضحكوا من أعماقهم على (المفارقة) لطرافتها وغرابتها وعدم توقعها في آن.. لكنني أكاد أجزم أنه لو قالها اليوم فلن يضحك أحد! ليس فقط لأن (بهجت الأباصيري) بألاعيبه واستهتاره أصبح مشهداً مكروراً في معظم أجزاء المشهد التعليمي العربي اليوم، بل ولأن هذا هو واقع الحال اليوم، بعد أن أصبح الباذنجان أو(البتنجان) هو المقياس (الأهم) للعلم بالفعل، وتحولت النكتة غير المعقولة في زمنها الى حقيقة مؤلمة لابد من التعايش معها!.

▪️ليس في الأمر مبالغة، فعندما تزدهر الجامعات (الفالصو) التي لا وجود لمعظمها إلا في حقائب القائمين عليها، ويتسابق الآلاف للحصول على شهادات كرتونية لم يدرسوا مقابلها ساعة واحدة؛ فهنا لابد من الاعتراف بأن العلم أصبح (يُكيّل بالتنجان) فعلاً.. وعندما ينجح هؤلاء المزيفون والوهميون في الوصول الى سدة الإدارات والمؤسسات، فهل يمكن أن نقول غير أن العلم أصبح يُكيّل بالزيف والكذب، ولا يفرّق بين مجتهد نزيه ومتسلق كاذب؟!. وعندما يصبح الصادق في نظرنا هو من يحصل على الشهادة العليا بنفوذ وظيفته وخدمات المقربين من موظفيه الذين يكتبون له البحث من (الجلدة للجلدة) و (بخشم الريال) أو (بخشم بندق الوظيفة) فهل يمكن أن يكون ذلك إلا علماً (باذنجانياً) لا فائدة تُرجى منه ولا من صاحبه؟.

▪️ أما لو انتقلنا لبعض الكليات التجارية التي تتاجر بالطب وشهاداته، وتستغل رغبة الآباء في أن يروا أبناءهم أطباء حتى وإن لم يكن لديهم أدنى الاستعدادات العقلية والمعرفية لطالب الطب، فالوضع يصبح أدهى وأمر، فبعض تلك الكليات لا معايير قوية مطلوبة في القبول غير القدرة المالية؛ وعدم التعثر في السداد.. والنتيجة مئات من خريجي الطب الذين يضغطون على الجهات المسئولة لتوظيفهم رغم ضعف مستواهم!. ولو انتقلت غير بعيد الى المدارس الأهلية وشاهدت ما يحدث في معظمها من (تكييل) للدرجات على طريقة ما يطلبه المستمعون بمجرد أن (تقرقش) جيوبك فستصاب بالصدمة والدهشة حتى وإن لم تكن راغباً بها!! ناهيك عمّا يحدث في متاجر البحوث والخدمات الطلابية التي أصبحت ترافق الطلاب منذ المرحلة الابتدائية وحتى كتابة بحث التخرج من الجامعة!.

▪️مستقبل أي أمة ونموها وازدهارها لا يرتبط بالتعليم كما يعتقد البعض قدر ارتباطه بشكل أساسي وأكبر بجودة التعليم، وجديته، وجودة معاييره أولاً، ثم بجودة معايير وضوابط الاختيار الوظيفي التي يجب أن تخلو من أي شبهات أو شوائب.. دون هذين الضابطين سيستمر الزيف يأكل مصداقيتنا وجديتنا وإنتاجيتنا الحقيقة.. وستستمر أسواق العلم الزائف تكيل للناس بـ(البتنجان) والكوسة والخيار أيضاً.

أكتوبر 31st, 2020291

اكتب تعليق