((الشتاء ربيع المؤمن ))
الكاتب : د / صالح بن سعود السعود

(( الشتاء ربيع المؤمن ))
إن الحمد لله أما بعد:
أيها الإخوة الكرام :حينما يدخل فصل الشتاء هذا يعني أن السماء فوقنا ستتغير، وأن الأرض تحتنا سوف تتجدد، وأن الهواء من حولنا سوف يتموج. والسؤال هو : بقدرة من وقع ذلك؟ ومن الذي أذن بذلك؟ ومن الذي يملك تلك القدرة حتى يفعل ذلك؟ أسألوا أهل الأرض قاطبة، من منكم فعل ذلك؟ اسألوا عظماء الدنيا، من منكم فعل ذلك؟ لن تجد إجابة من أحد مطلقاً. ولن تسمع كلمة من أحد ؟لن تجد جوابا في الأرض ولكنك ستجد الجواب في السماء فقط من القادر المقتدر، الذي أخبر عن قدرته العظيمة حينما قال : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِه) ، وما يجري في السماء والأرض من تغيرات هنا وهناك فهي بأمره سبحانه. فحينما يذهب فصل ويأتي فصل فبإذن الله، وحينما ترتوي أرض وتجف أرض فبأمر الله،وحينما تفتح السماء أبوابها بماء منهمر فبإذن الله، وحينما تمسك السماء ماءها فبإذن الله، فربك هو قيوم السموات والأرض، وهو مالك خزائن السموات والأرض (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ)، فبأمر ربنا سبحانه يأتي الشتاء ويذهب الصيف،وبأمر ربنا سبحانه ينزل القطر من السماء .
ولذلك -أيها المؤمن- إذا دخل الشتاء عليك فلا بد أن يحرك قلبك، وأن يحييك، وأن يزيد إيمانك ويقوي عقيدتك، وأن يذكرك بالله ربك؛ يذكرك بقدرته وقوته ومشيئته ورحمته وإرادته وملكه، يذكرك بآيات الله التي غفل الناس عنها اليوم، حتى بات بعضهم لا يرى في فصل الشتاء سوى أن منسوب الماء يزيد وقوة البرد تشتد، وتَعُمّ السيول، وتكثر الحاجة للمدافي. دون أن ينبض قلب هؤلاء بلحظات تفكر وتأمل إيمانية، يتذكر فيها أن الشتاء هو آية من آيات الله، (إِنَّ فِى السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ لأَيَاتٍ لّلْمُؤْمِنِينَ وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءايَاتٌلّقَوْمٍ يُوقِنُونَ0 وَاخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مَّن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ ءايَاتٌ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)فالقرآن يصحح نظرة الناس إلى فصل الشتاء ونزول الغيث،ويعلمهم أنه الشتاء وما فيه: هو آية من آيات الله، فالناس مطلوب منهم أن يصحّحوا نظرتهم لفصل الشتاء، والمؤمن مدعو للتفكر في آيات الله، وما فصل الشتاء إلا آية من آيات الله سبحانه.
إن في اشتداد الشتاء للمؤمن ذكرى، ففيه تنزل البركة وهو الغنيمة الباردة، عن ابن مسعود قال:”مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام”، وعن الحسن قال:”ونعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ونهاره قصير يصومه”.فمن نعم الله أن خص كل موسم بما يناسبه من الزروع والثمار ونوع الأعمال،ودفع السآمة عن الإنسان؛ والمؤمن الحق من وقف مع هذه النعمة وتدبرها حق التدبر وشكر الله لأجلها، قولاً وعملاً، ولأننا في فصل الشتاء فإننا نقف بكم اليوم إخوة الإيمان على شيء مما ورد فيه،وكذلك غيض مما يحتاجه المسلم من الأحكام، وما شرع له من السنن فيه، أخرج الإمام أحمد في حديثه الحسن عن أبي سعيد الخدري عن النبي أنه قال:”الشتاء ربيع المؤمن” أخرجه البيهقي، وزاد فيه:”طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه”.وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، وميادين العبادات، في الشتاء يقوى المؤمن على صيام نهاره من غير مشقة ،ولا كلفة تحل له من جوع ولا عطش، وفي المسند والترمذي عن النبي :”الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة”، وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول:”ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؛ قالوا: بلى؛ فيقول: الصيام في الشتاء وقيام ليل الشتاء”. نسأل الله أن يوفقنا لأدائه.
والقيام يسير لطول الليل ، فالنفس تأخذ حظها من النوم ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، قال ابن رجب رحمه الله: “قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف، ولهذا بكى معاذ عند موته، وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر” انتهى كلامه رحمه الله.
ومن فضائل الشتاء أنه يُذكِّر بزمهرير جهنم، ويوجب الاستعاذة منها، وفي الحديث عند الشيخين وغيرهما عن النبي أنه قال:”إن لجهنم نفسين: نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف، فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، وأشد ما تجدون من الحر من سمومها”، وروي عن ابن عباس قال:”يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر ويستغيثوا بحر جهنم”.
كم يكون الشـتاء ثـم المصيف وربيع يمضي ويأتي الخريف
وارتحال من الحرور إلى البرد وسـيف الردى عليـك منيف
عجبا لامرئ يذل لـذي الدنيـا ويكفيـه كـل يـوم رغيـف
فهذه النار عندما اشتكت إلى خالقها، والشكوى كانت من أنه قد أكل بعضها بعضاً، فكيف بالذي في داخلها؟ وكيف بمن يعذب فيها؟وكيف بمن حكم الله عليه بالخلود فيها؟ فشفقةً من الله بهذه النار التي خلقها لإحراق الكفار والمنافقين والعصاة ومن يستحق دخولها،أذن لها بنفسين، فأشد ما نجد أيها الأحبة من الحر ما هو إلاّ نفس من أنفاس جهنم، وأشد ما نجد من البرد أيضاً ما هو إلاّ نفس من أنفاس جهنم. قال رسول الله :”اشتكت النار إلى ربها وقالت: أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين: نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف، فأما نفسها في الشتاء فزمهرير، وأما نفسها في الصيف فسَمُوم”.
لقد جاءت السنة بالإبراد بصلاة الظهر في حر الصيف تخفيفاً على الناس، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ:”إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ”. رواه البخاري. وكان رسول الله إذا اشتد البرد بكّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة. عن أبي ذر قال: كنا مع النبي في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال : أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد،حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي :”إن شدة الحر من فيح جهنم،فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة”متفق عليه.
وهذا الحكم خاص بصلاة الظهر وأما صلاة الجمعة، وإن كانت في وقت الظهر فإنها تصلى في وقتها حتى في الحر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة، لأن النبي كان يصليها في أول الوقت شتاءً وصيفاً، ولم يؤخرها هو و لا أحد من أصحابه، بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال، وذاك لأن الناس يجتمعون لها، إذ السنة التبكير إليها، ففي تأخيرها إضرار بهم.
لقد بوب الإمام الترمذي رحمه الله في سننه فقال: باب ما جاء في الصوم في الشتاء. ثم أخرج بسنده عَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ:”الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ”. حديث صحيح. وكانت غنيمةً باردةً لحصول المؤمن على الثواب بلا تعب كثير، فالصوم في الشتاء البارد لا يحس فيه الصائم بالعطش لبرودة الجو ولا بألم الجوع لقصر النهار، فحقاً إنها لغنيمة باردة، فأين أصحابها؟
لقد عذّب الله أقواماً بالريح الباردة في الشتاء كقوم عاد كما قد ذكر ذلك أهل التفسير، وقد كان النبي إذا رأى مخيلة وهو السحاب الذي يخال فيه المطر أقبل وأدبر وتغير وجهه فقالت له عائشة إن الناس إذا رأوا مخيلة استبشروا فقال:”يا عائشة وما يؤمنني، قد رأى قوم عاد العذاب عارضاً مستقبل أوديتهم فقالوا:هذا عارض ممطرنا قال الله تعالى: بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ” [الأحقاف:24].
من عجائب الحر والبرد والصيف والشتاء: هذا الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه ضمن كرامات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ كَانَ أَبُو لَيْلَى يَسْمُرُ مَعَ عَلِيٍّ بن أبي طالب ، فَكَانَ يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَثِيَابَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ فَقُلْنَا لَوْ سَأَلْتَهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ إِلَيَّ وَأَنَا أَرْمَدُ الْعَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرْمَدُ الْعَيْنِ. فَتَفَلَ فِي عَيْنِي ثُمَّ قَالَ:”اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ” قَالَ: فَمَا وَجَدْتُ حَرًّا وَلَا بَرْدًا بَعْدَ يَوْمِئِذٍ.
وللفقراء علينا حقٌ دائم، ويتأكد هذا الحق لهم في الأزمات والملمّات،وفي النكبات والصعوبات، ومن ذلك أن نرحمهم ونعطف عليهم مع برد الشتاء، يقول أحدهم:
أتـدري كيـف قابلنـي الشتاء وكيف تكـون فيـه القرفصاء
وكيـف البـرد يفعل بالثنايـا إذا اصطكت وجاوبها الفضـاء
وكيف نبيت فيـه على فـراش يجور عليه في الليل الغطــاء
فـإن حل الشـتاء فأدفئونـي فـإن الشـيخ آفتـه الشـتـاء
أتدري كيف جارك يا ابن أمي يهــدده مـن الفقـر العنـاء
وكيـف يـداه ترتجفان بؤساً وتصدمـه المذلـة والشـقـاء
يصب الزمهريـر عليـه ثلجاً فتجمد فـي الشـرايين الدمـاء
خراف الأرض يكسوهن عِهنٌ وتـرفل تحتـه نعـمٌ وشـاء
وللنمل المساكن حيـن يأتـي عليـه البرد أو جـُنّ المسـاء
وهـذا الآدمـي بغـيـر دار فهل يرضيك أن يزعجه الشتاء
يجوب الأرض من حي لحي ولا أرض تـقيـه ولا سمـاء
معاذ الله أن ترضـى بهـذا وطفـل الجيـل يصرعه الشتاء
أتلقاني وبي عـوز وضـيق ولا تحـنو؟ فمنـا هذا الجفـاء
أخي بالله لا تجـرح شعوري ألا يكفيـك مـا جـرح الشـتاء
وبعد:إخواننا عضتهم الحروب ثم عضتهم فتن وحروب، وثالثة الأثافي عليهم الشتاء وهم في عراء الشتاء وهم في جوع الشتاء وهم في حروب وبلاء.
لقد شرع الإسلام التكافل المالي بين المسلمين والترابط وسد الحاجات، وفي الحديث أن النبي قال:”من كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له”. صورة رائعة مشرقة عندما يوجد في المجتمع الإسلامي فاقة وحاجة، يُلزم الإسلام أصحاب فضول الأموال أن يخرجوا من فضول أموالهم ولو من غير مال الزكاة ما يسد حاجة إخوانهم، يقول النبي مثنيًا على الأشعريين:”إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم” رواه البخاري ومسلم، فقد سر رسول الله بما كان يفعله الأشعريون إذا أرملوا وبشرهم بأنهم منه وهو منهم، وهذا دليل على أنه لا يريد أن يكون المجتمع طبقتين، طبقة مترفة تكدس الأموال في جيوبها، وطبقة معوزة لا تجد غنى يغنيها، وفي ذلك من الفساد ما فيه، وفي حديث مسلم في القوم الذين جاءوا رسول الله مجتابيالنمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله لما رأى ما بهم من الفاقة، فخطب الناس وحثهم على الصدقة؟فتصدق الناس حتى تجمع كومان من الطعام، ففرح رسول الله حتى تهلل وجهه كأنه مذهبة.
وعن علي بن أبي طالب قال:”إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه”.
وإن إخواننا في البلاد الإسلامية كانوا يعيشون مسغبة عظيمة قبل الهجمات؛ فقد قضوا سنوات في الحروب، و سنوات من الجفاف المتواصل والحصار الشديد عليهم، فماذا يكون الحال إذن بعد هذا الحصار وتلك الضربات؟! فهم بحاجة إلى المال لسد جوعتهم والدفاع عن أنفسهم ورد الصائل عليهم، وحفظ أرواحهم والإبقاء على مهجة المسلم واجب يقول النبي :”لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق” رواه ابن ماجه بإسناد حسن، ونظر إلى الكعبة فقال عليه الصلاة والسلام:”لقد شرفكِ الله وكرمكِ وعظمكِ،والمؤمن أعظم حرمة منك”.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: “اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة يجب صرف المال إليها”، وقال الإمام مالك رحمه الله: “يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم” يقول الله عز وجل: مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فجدير بكل من امتلأ قلبه بالإيمان، وأحاط بمشاعره، واستغرق وجدانه أن يسهل عليه الخروج من كل ما يملك ابتغاء مرضاة الله وحياءً منه، فكيف وقد وعد الله جل جلاله برده مضاعفًا أضعافًا كثيرة ووعده جل جلاله الحق.
إخوة الإيمان، فصول السنة تذكر بالآخرة فشدة حر الصيف يذكر بحر جهنم، وهو من سمومها، وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم، وهو من نفسها، والخريف يكمل فيه اجتناء الثمرات التي تبقى وتدخر في البيوت، فهو منبه على اجتناء ثمرات الأعمال في الآخرة، وأما الربيع فهو أطيب فصول السنة وهو يذكر بنعيم الجنة،وطيب عيشها فهذه التنقلات توجب للعاقل الدهش والتعجب من صنع صانعه وقدرة خالقه جل وعلا.
فوا عجبا كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وللـه فـي كـل تحريكـة وتسكينـة أبدا شاهـد
وفـي كـل شـيء له آيـة تـدل على أنه واحـد
كم لله علينا من النعم . اللهم لك الحمد
كتبه
د. صالح بن سعود السعود
عضو هيئة التدريس بجامعة حائل

نوفمبر 27th, 20141952

اكتب تعليق