محسنون .. خيرّون..وكرماء!
الكاتب : محمد البلادي

 

▪️في التقاطة جميلة كتب الصديق العزيز الأستاذ عبدالرحمن النزاوي الباحث في تاريخ المدينة المنورة قبل أيام في الزميلة عكاظ عن عادة رائعة، وسُنّة أصيلة من سنن أهلنا الحسنة في بوادي وهجر الحجاز تسمى (اللقمة الحارّة).. واللقمة الحارّة أو اللقمة الساخنة لمن لا يعرفها من أبناء هذا الجيل هي نوع نبيل وقديم من الإحسان الذي يمارسه عرب تلك المناطق من أبناء القبائل العربية منذ مئات السنين رغم الجوع والفقر ورقة الحال الى حجاج بيت الله، ومريدي الحرمين الشريفين، حيث يتنافسون على تقديم وجبات طعام ساخنة تتكون من اللحم والدقيق، أو الثريد أو المرق، تفرَّق على الحجاج وعلى عابري السبيل والفقراء والمحتاجين وما أكثرهم في تلك الأيام التي كان يعز فيها حتى الماء.

▪️تنفي هذه المبرّات الإنسانية التي ذكرها بعض المستشرقين في مذكراتهم؛ ما وقر في ذهن البعض من إساءة عرب الجزيرة للحجاج واستغلالهم.. وقد وقفت شخصياً على الكثير من الوثائق (الحجج) التي يوصي أصحابها باقتطاع أجزاء من تركاتهم وأملاكهم (بساتين نخيل، حبوب، ثمار) أو جزء من عقاراتهم ووقفها من أجل عمل صدقات دائمة (سُفر للطعام الساخن) والمياه الباردة توزع على الحجاج أو المحتاجين، أو التبرع بها مباشرة للحرمين الشريفين وللعاملين فيهما، ولا تستغرب مثل هذا الأعمال النبيلة من أهل الجزيرة العربية، ومن قبائل عربية أصيلة تعتبر إكرام الضيف واجباً تفرضه المروءة ومكارم الأخلاق، فكيف بقبائل استقبلت الرسول الأعظم وناصرته وآمنت به وأخذت عنه أنبل الصفات الإسلامية وأعظمها ومنها إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وإكرام عابر السبيل.

▪️لطالما كانت بوادي الحجاز المبارك منازل للكثير من الصحابة والتابعين ولقبائل العرب العريقة التي سجلت أروع القصص في فضائل الأخلاق.. لكن المؤسف هو تعرض هذه القبائل الى حملات تشويه ضخمة طالت الإنسان والمكان بشكل ظالم، خصوصاً أيام السيطرة العثمانية على المنطقة، ومن أسف أن الكثيرين من أصحاب اللسان العربي مازالوا يتناقلون هذه الأكاذيب دون تمييز، بينما يرفضها كثير من الرحالة والمستشرقين الغربيين الذين عاشوا بيننا ومنهم (هورغرينيية) الذي يقول عن العرب من أبناء بادية مكة: « كرماء.. خيرون.. أمناء.. وأهل للثقة.. إنهم متعففون جداً، إذ من النادر أن تجد بينهم من يعمل بالمهن الوضيعة، معظمهم يعملون كجمّالين أو في بيع الأغنام والزبد (السمن) والتمور.

▪️التعميم ليس لغة الجهلاء فقط، بل لغة الظالمين وأصحاب الأهواء أيضاً.

نوفمبر 7th, 2020178

اكتب تعليق