أنت لست استثنائياً كما تعتقد!
الكاتب : محمد البلادي

 

▪️أسرفت برامج التنمية الذاتية -خصوصاً بعد دخول كثير من غير المختصين بها- في التدخل في حياة الانسان، حتى أصبح الأمر أشبه بالنفخ العشوائي في بالون بات قابلاً للانفجار في أية لحظة!.. لاشك أن هناك أوجه إفادة كبيرة للرسائل التي باتت تحاصرنا اليوم من كل اتجاه؛ بعد أن أصبحت جزءاً من صميم روح عصرنا، لكنها لا تخلو في الوقت نفسه من خطورة آخذة في التزايد، فقد أوحت للبعض بأن الحياة العادية ليست حياة جيدة، وأنه يجب على الجميع أن يصبح استثنائياً ومميزاً، أو غنياً مشهوراً، الأمر الذي أدى بالبعض للدخول في دوائر لا نهائية من الاكتئاب والإحباط والمرض النفسي الذي أصبح شكلاً من أشكال الحياة اللمعاصرة.

▪️ إن تبسيط فكرة تحقيق الإنسان لكل شيء يريده، بالشكل الذي ابتذله بعض دخلاء التدريب على طريقة (أغمض عينيك وستصبح أسداً) قد تكون محفزة للبعض، لكنها بالمقابل قد يتبعها شعور بالنقص واحتقار الذات لدى البعض الآخر. وأخطر ما في هذه الرسائل أنها قد تفسد حياة الكثيرين من الناس العاديين من أمثالي وأمثالك الذين أصبحوا يرون الحياة العادية حياة سلبية ومخجلة يجب التخلص منها، وهذا غير صحيح بالطبع، فجميعنا أناس عاديون بالأساس، وكثيراً ما تكون سعادتنا في أن نعيش حياتنا السهلة والبسيطة والعادية حسب قدراتنا وإمكاناتنا، والتخلي عن تلك الرغبات المرهقة وغير الواقعية التي قد تقلقنا.. أعلم أنه أمر مؤلم لكن هذا قد يكون القرار الأفضل والأكثر وعياً، فلماذا ندفع سعادتنا العادية ثمناً كي نصبح أناساً غيرعاديين؟!.

▪️ لقد أوهمتنا بعض برامج التنمية (التجارية) حتى صدَّق الكثير منا أننا أناس خارقون للعادة، لا بشراً عاديين لنا قدرات وإمكانات محدودة، لا أقصد هنا أن أسرب شيئاً من الإحباط الى نفوسكم، لكن عقلانية الأهداف مطلوبة كي لا تصبح أهدافك نوعاً من الحمل والتعذيب النفسي الذي لا يمكن تحقيقه.

▪️ يشير بحث في مجلة العلاج السلوكي والطب النفسي التجريبي إلى أنه عندما يسيطر الاكتئاب على عقلك، فإن أول ما يجب عليك فعله هو التخلي عن بعض الأهداف غير الواقعية التي تثقل روحك.. أدرك أن مفهوم النجاح يختلف من شخص لآخر، لكن إعادة توجيه طاقاتنا نحو الأجزاء القابلة للتحقيق من أهدافنا أمر مهم فنجاحك لا يقاس بحجم ممتلكاتك فقط، بل في قلة رغباتك أيضاً.

▪️ إن الخروج من حلقة اللهاث القاتل خلف أهداف غير ممكنة أمر بالغ الأهمية بالنسبة لراحتك وسعادتك.. وطّن نفسك على أنها نفس عادية مثل ملايين النفوس التي لها قدرات عادية، فهذا ترياق مفيد لعلاج الحزن والاكتئاب الذي بات يشعر به الملايين حول العالم.. لا تدفعها نحو تطلعات مرهقة، بل أقنعها أن الجزء العادي من حياة البشر صالح للعيش وممتع ومريح للنفس، فأن تخسر بعض أهدافك مستمتعاً بحياتك خيرٌ من أن تشقيها في طموح قد لا تصل إليه أبداً.. وتذكَّر دائماً أن السعادة والنجاح لا يتطلبان بالضرورة أن تكون شخصاً استثنائيًا.

 

نوفمبر 14th, 2020598

اكتب تعليق