التخصص والتكامل في العمل الدعوي
الكاتب : د. عبدالله بن معيوف الجعيد

الدعوة إلى الله هي أشرف وأنبل المهمات التي يبذل المسلم فيها جهده ووقته، وقد جعل الله الأمة الإسلامية شاهدةً على الأمم جميعها حيث قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ]البقرة: 143[، وقد كلف الله الأمة الإسلامية بدعوة الناس إلى طريق الحق والهداية والصلاح فقال: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ]آل عمران: 104[، ولا تقتصر الدعوة إلى الله على زمنٍ دون آخر، ولا على أماكن محددة، كما لا تقتصر على أفرادٍ دون غيرهم، بل هي أمرٌ كلف الله به الأمة الإسلامية منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة، ولا تقتصر الدعوة على وسائل وأساليب محددة، بل من الممكن استخدام أية وسيلة يمكن أن تسهم في نشر الدعوة إلى الله بين الناس وتؤثر فيهم، وينبغي على كل مسلم أن يدعو إلى الله بالوسيلة التي يستطيع استخدامها.
وقد أصبح التخصص أحد المتطلبات الهامة لعصرنا الحالي، وخاصةً في ظل تطور العلوم وكثرة فروعها، مع كثرة المشاغل التي تحد من قدرة الإنسان على استيعاب فروع مختلفة من العلم الواحد فضلًا عن أن يتعلم أصنافًا متعددة من مجالات العلوم، وقد أظهر الكثير من العلماء منذ القدم أهمية التخصص في مجال واحد من مجالات العلوم، فقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام: (ما ناظرني رجل قط وكان مفننًا في العلوم إلا غلبته، ولا ناظرني رجل ذو فنٍ واحد إلا غلبني في علمه ذلك).
وللتخصص أهمية كبيرة في العلوم الشرعية عامةً وفي مجال العمل الدعوي خاصةً، فالتخصص من أهم الأدوات التي يمكن أن يحقق الداعية من خلالها التميز في أدائه والوصول إلى تحقيق أهدافه، وتكمن أهمية التخصص في مجال الدعوة في أنه يزيد من قدرة الداعية على التركيز والبحث والابتكار، وخاصةً فيما يتعلق باختيار الداعية للأساليب الدعوية المناسبة التي يمكنه من خلالها إيصال أفكاره إلى الناس وإقناعهم بها، ويمكن للتخصص في مجال العمل الدعوي أن يحدث طفرة هائلة في تأثير الدعوة على المجتمع، كما يمكنه أن يقلل من الوقت والجهد الذي يحتاجه العمل الدعوي ليحقق أهدافه ويؤتي ثماره.
ولا يعني تخصص الدعاة في مجال العمل الدعوي أن ينعزلوا عن غيره من أصناف العلوم الشرعية وغير الشرعية، بل يجب على الداعية أن يطلع على مختلف أنواع العلوم التي يمكنه من خلالها توسيع أفقه وتنمية قدراته وخاصةً في المجالات المرتبطة بمجال العمل الدعوي، والتي تمكنه من زيادة قدرته على التأثير في الناس.
والعلوم الشرعية هي علوم مترابطة لا يستغني أحدها عن غيره من العلوم الأخرى، ويرجع ذلك إلى أن هذه العلوم باختلافها تستمد نصوصها من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبالتالي فإن جميع العلوم الشرعية متداخلة ومتكاملة، كما أنها تشترك في الكثير من المسائل والمباحث والأحكام، وتعتبر مجموعة واحدة يكمل كل منها الآخر.
وكغيره من مجالات العلوم الشرعية، فإن تخصص الدعوة الإسلامية يعتمد على نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأقوال المفسرين والمحدثين وغيرها من أقوال الفقهاء ومصادر الأحكام التي تبين أحكام الفقه في مختلف القضايا التي تتعلق بمجال الدعوة، ولذلك فإن تحقيق التكامل بين مجالات العلوم الشرعية المختلفة ومجال الدعوة يسهم في استفادة الدعاة من مختلف العلوم الشرعية التي تتضمن المسائل الفقهية وعلوم الحديث ومسائل العقيدة وغيرها وتوظيفها في المجال الدعوي.
هذا بالنسبة للتخصص والتكامل في بناء المنهج الدعوي، أما التخصص في مجال العمل الدعوي فإنه يعني أن يكون لكل داعية مجال محدد يتخصص فيه من مجالات الدعوة مثل المجالات الإنسانية والإغاثية، وذلك بحسب حاجة المجتمع الذي يوجه الداعية دعوته إليه، فمن الدعاة من يتخصص في الدعوة ومنهم من يتخصص في تقديم الأعمال الإغاثية مثل تقديم الطعام والشراب والملبس والمسكن أو الأعمال التنموية مثل بناء المساجد والمعاهد والمكتبات، ومنهم من يتخصص في رعاية الأيتام، وغيرها من الاحتياجات الأساسية التي تحتاجها المجتمعات الإنسانية بمختلف أنواعها ومستوياتها الاجتماعية والاقتصادية، ومن خلال التخصص يمكن للقائمين على العمل الدعوي تقديم خدماتهم بأفضل جودة ممكنة، ويعتبر التخصص أهم خطوة لتحقيق التكامل بين القائمين على العمل الدعوي، لضمان عدم تكرار الأعمال التي يتم تقديمها، فالتكامل يؤدي إلى استفادة الدعاة من مجهودات بعضهم البعض، ويؤدي توظيف التكامل إلى الارتقاء بكفاءة أداء الدعاة ورفع جودة الخدمات التي يقدمونها، من خلال تعاونهم كلٌ حسب تخصصه.

يناير 4th, 2021621

اكتب تعليق