جسَّاس المواشي ..
الكاتب : ناصر الشمري

– القرفصاء جلسة حميد المفضَّلة صباحاً ومساءً في انتظار زبون من قريته أو من القرى المجاورة .
– مع الجلسة هزَّة مستمرة لجسده خاصة إذا أشغله أيَّ موضوع يفكِّر به .
– فراشه المهلهل الممسوحة ملامحه من كثرة الملامسة ، يحتضنه كلَّ ليلة بحنان ويواسيه ..
– كان لاينام في اللَّيل إلاَّ إذا نظر إلى زاوية غرفته ، في الأعلى بيت عنكبوت معمِّر بالكاد يتبيَّن ملامحه من نور السِّراج الباهت ، بعد الانتهاء من النَّظرة ، يبدأ بعدِّ خشب السَّقف كلَّ ليلة بلاملل ولاكلل ، واحد .. اثنان .. ثلاثة ..الخ .
– يصل للعدد ( ١٢ ) عمره بالتَّمام والكمال ، فإمَّا يغلبه النُّعاس ، وهذا النَّادر حصوله أو يسمع ديك الفجر بصوته الجهوريِّ من سطح جاره ، يؤذِّن بقرب خروج قرن الشَّمس الدَّموي ..
– نملة كبيرة سوداء على يده بالقرب من جرح ناشف قديم ، وأخرى أمامه ، بحركة خاطفة نفض حميد الجسَّاس يده ، وسحق بكعب قدمه – المشقَّق من قلَّة الدِّهان – الأخرى ، اهتزَّت قليلاً ثمَّ سكنت .
– اللَّيل طويل على حميد حتَّى في ليالي الصَّيف القصيرة عندما يكتمل القمر ، وتكثر الوساوس في ظلامه البهيم .
– كثيراً مايخرج ، جالساً بجانب الشَّارع الممزَّق الحزين ، ينظر إلى حشرات طائرة تتصارع على نور العمود الَّذي يعلوه الصَّدأ من أعلى ، ورغم الإنارة الخافتة ، تدور وتدور على نوره الضَّعيف ، وكأنَّها تستجدي شيئاً منه كما يستجدي حميد أيَّ طارق لباب والده المشهور والخبير بالمواشي كلِّها ، بعد لحظات أصبحت الخفافيش تطارد بدورها الحشرات ، رزق هذا من هذا .
– يصيبه الملل والقرف ، ساعة انتظار وأختها ساعات ، لن يأتي أحد .
–  سيفترسه الصَّمت وحده ، ويعود كسيراً إلى داخل بيته البسيط ، اذنه مرهفة السَّمع ، يقول بسريَّة تامَّة :
– لربَّما يطرق باب البيت أحد الزَّبائن ، لذا لابدَّ من الإنتباه الشَّديد ، طعامه لايتناوله بهدوء ، مرًّة قفز بسرعة ، فانقلبت كاسة الحليب الصَّباحيَّة ، ووقعت قطعة الخبز المكوَّرة من حضنه ..
– فتح الباب لم يجد إلا قطًّة جائعة تلعق بلسانها الجلد ،  وتتمسًّح بهذا الباب الحديديِّ الصَّدئ المهزوز القابل للسُّقوط .
– تطلب منه طعاماً ، رجمها بالحجارة ، وعاد مسدود النَّفس .
– على الأرض جلس بحسرة ، يحكُّ راحة كفِّه ، وقال :
– لابدَّ أن أرث وظيفة أبي الحقيرة ، هذي علامة ، سأنال نقوداُ  ، أبي قال لي ذلك :
– إذا حكَّك باطن راحتك ، ستنال حتماً دراهم ..
– نم ياحميد ..
– أنا عطشان وجوعان ..
– تسقيك الغُزيِّل وتطعمك ، وأنت نائم .
– لم يجد ضرورة لنفض بقايا الخبز من حضنه ، واليأس من قلبه ، وحيد والديه بعد الكثير من الأبناء الموتى بفعل الأمراض منها الجدري .
– حريص على الزَّبائن ، فلديه أصابع حريريَّة ، يكتشف بها حمل الماشية من عدمه ، يجسُّها بأصابعه بمعرفة وخبرة ، فهي وظيفة العائلة الفقيرة أبًّا عن جدٍّ .
– كلُّهم تفرغوا لها ، وتركوا مدرسة القرية من الفقر والمرض والموت .
– في يوم من الأيَّام ، طٌرِق الباب ، فقفز بشدِّة من فراشه الأرضيِّ ، واصطدم بحافَّة العتبة ، جرحه بارد لايشعر به حتَّى لونزف .
– يهرول ، فتح لطارقه الباب ، كان طفلاً نحيلاً يقترب من السِّن الثَّامنة ، يلبس ثوباً مطرَّزاً من جهة الصَّدر والكتف ، ومعه حمار :
– أبي يسلِّم عليك ، ويقول لك :
– عندنا نعجة ، ونريدك تشوفها حاملاً ولاَّ لا ؟
– طيِّب ، الحمار لمن ؟
– لي ، وأنت تمشي على قدميك .
– طوال الطَّريق ، وحميد يتذكَّر قبضة أبيه الشَّديدة ، وهو يترجَّاه قبل الموت :
– ياحميد لاتضيِّع مهنة أبيك وجدِّك ، لم يبق  إلاَّ أنت ، آخر العنقود ..
– (صياغة ذهب) أكيد ، تتدحرج دمعة حارَّة على خدِّ حميد ، ينتحي جانباً ، ويمسحها ثم يعود على الجرَّة يمشي ، ويظنُّ نفسه حمار ولد حمار . !!
– أتعلم أنَّ ابي وأمي وإخوتي ، ماتوا كلُّهم إلاَّ أنا ؟
– تركوني وحيداً في البيت ، وذهبوا ..
– لم يرد عليه الولد بل ادخل أصبعه بأذنه ، ونفضها بسرعة مع صوت يشبه الشَّخير ، علامة على رفضه الحديث مع حميد الجسَّاس ..
– ولد الخادم ثوبه هكذا ، وأنا ثوبي الوحيد المتَّسخ الأطراف يشكو الوحدة ، مرار في حلقه ، ولعابه يبتلعه ولايستطيع .
– وصل حميد ، وصاحبه الولد الوسيم إلى ربوة ذات ارتفاع متوسِّط ، قليلة الأشجار ، فوق هامتها بيت جميل ، وبجانبها شبك أغنام طويل ، مقسَّم إلى أقسام كثيرة ، فيه الأغنام والبقر والأبل ،  ثراء واضح .
– ترجَّل الطَّفل ، وربط الحمار بمكان يبدو أنه مخصَّص له .
– دخل ، ولم يخرج .
– الأرض بدات تستغيث من حرارة شمس الظَّهيرة ، وداعك الجوع بدأ يلعب بأمعاء حميد ، بعد أن رفع رجلاً ، وانزل الأخرى ، خرج عليه الخادم في يده خيطاً حريريًّا مربوطًاً برقبة نعجة جميلة الشًّكل ..
–  قال حميد بسخرية مكتومة :
– ليتني نعجة مكانها بس يكون في رقبتي طوقاً من الذَّهب . !!
– اضجع حميد النَّعجة برفق ، وهو يرغب في تذوِّق لحمها الطَّازج .
– خيَّست معدته من الخبز اليابس ، والفول ، والعدس .
– لمسها كالعادة من البطن صعوداً ونزولاً مرَّة ومرَّتين مقلداً أباه ، يدغدغها لم تضحك، ولم تتحرَّك ، همس للخادم الماسك لرقبة النَّعجة بعطف :
– مبروك النَّعجة حامل .
– أين ولدك ؟
– ومادخلك بولدي ، تريد اللَّعب معه .
– أعطاه الخادم  دراهم قليلة ، وأمره بالعودة لبيته من حيث جاء ، ردَّ عليه حميد :
– دعني اركب هذا الحمار ، فالحمير كثيرة عندكم  ، الحرُّ شديد كما ترى ، عودته مضمونة أراهن على ذلك ، فهذه الحمير ذكيَّة جدُّا !!
– ياحميد الجسًّاس انتظر حتَّى استأذن سيِّدي ..
– عاد الخادم محمرَّ العينين ، صفع حميد بقوَّة جعلت الدَّراهم تسقط من راحته ، وقال له بحدَّة :
– سيِّدي صفعني وأمرني ، وانا عبد مأمور ..
– قام حميد ، نفض ثوبه ، مسح دمعه ، إلى ناحية الشَّمس الصَّفراء تشبه الذَّهب ،  يرجع يشتري نفس البيت بعد مدَّة طويلة ..
– أغلق الباب الحزين ، وقع على وجهه ، تشاءم حميد ثمَّ يمَّم جهة مكان آخر ، مدينة تستقبله ، وتحسِّن من أوضاعه ..
– في تحدٍّ عند مدخل المدينة الحلم ، فلطالما كره قريته ، وذاق الأمرَّين منها بعد معاناة شديدة ، صرخته صداها في الآفاق :
– أنا ذئب ولد ذئب ..

يناير 26th, 2021298

اكتب تعليق