عن صناعة المحتوى واقتصاد العاطفة!
الكاتب : محمد البلادي

 

· عالم الأعمال يتغير بسرعة مذهلة، وظائف جديدة تظهر كل يوم؛ ووظائف أكثر منها تختفي للأبد.. يحدث هذا بسبب الانتشار الهائل لوسائل التواصل، وزادت جائحة كورونا من وتيرة هذا التسارع بعد أن فرضت على البشرية لوناً جديداً من الحياة يغلب عليه الطابع الالكتروني. أتفق مع من يقولون أننا نعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ(اقتصاد العاطفة) وهو الاقتصاد الذي يلتقي فيه غير المنتجين مع غير المستهلكين ليتبادلوا سلعاً افتراضية!.. لقد خلق هذا الاقتصاد الافتراضي قطاعًا كاملاً من الوظائف التي تسمح للناس بتحويل أفكارهم ومهاراتهم وخبراتهم وهواياتهم إلى أعمال ومهن تدر عليهم الأموال عن بُعد، وهؤلاء هم من يسمون في أدبيات اقتصاد العاطفة (صُنّاع المحتوى) .

· يمكن القول إن صانعي المحتوى هم رواد أعمال، لكنها مهنة أخرى لها مجموعة مختلفة من القواعد، فإذا كان رجال الأعمال يربحون من بناء منتجاتهم وشركاتهم في انتظار العملاء التقليديين، فإن صانعي المحتوى يربحون من إنشاء محتوى لوسائل التواصل الشرهة، تكون التفاعلية والمشاركة هي مؤشرات النجاح الرئيسية له، وتمثل منصاتهم الإعلامية (مدونات، مواقع، متاجر إلكترونية) شركاتهم ومؤسساتهم التي يسعون هم أيضاً إلى خدمة جمهورهم من خلالها.. بمفهوم أبسط: هم من يغذون العالم الافتراضي الكبير ويصنعون مواده وخاماته.

· المحتوى الرقمي أصبح يمثل جزءاً كبيراً من حياتنا اليومية، لكن المؤسف أن ثمة سوء فهم جوهري لمفهوم (محتوى) في معظم بلداننا العربية، فالمحتوى في نظر الأغلبية منّا لا يخرج عن تلك المشاهد و(السنابات) و(التيك توكات) المغرقة في التفاهة والسذاجة والسطحية، وليس مجموعة الأخبار والمقالات العلمية والثقافية والصور والفيديوهات والنصوص التي تبقينا على اطلاع دائم، وتجيب على أسئلتنا، وترفع من ثقافتنا، وتوجه وعينا، وتساعدنا على اتخاذ قراراتنا!.

· لقد أصبح (إنشاء المحتوى) مهنة حقيقية للكثيرين حول العالم، فهناك من يقدمون خلاصات الكتب، ومن يشرحون طريقة عمل الأجهزة، من يعلمون الموسيقى، ومن يبسطون العلوم والمفاهيم.. والأجمل أن معظم هذا المحتوى يقدم مجاناً، فقواعد اللعبة المالية اختلفت، القاعدة الأساسية هنا أن يكون لديك جمهور متفاعل. العمل في صناعة المحتوى فرصة للربح وزيادة الدخل، قديماً كان عليك أن تختار بين أن تتبع المال أو تتبع شغفك، اليوم يرتبط العمل والشغف والربح معاً، فأياً كانت موهبتك أو خبرتك يمكنك تحويلها الى سلعة قابلة للبيع ومدرّة للأرباح، المهم أن تعرف كيف تختار المحتوى الفريد والمبتكر والجاذب، تسويق المحتوى مهارة تحتاج الى جهد ودراسة، واختيار المنصة المناسبة مهارة أخرى لا تقل عنها تأثيراً. أبطال الانترنت الحقيقيون ليسوا هم من نراهم على الشاشات ينثرون التفاهة؛ بل مَن يقاومونهم من المدونين والمحررين وأصحاب المحتوى الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض.

· مرعبة هي السرعة التي تتآكل بها المهن التقليدية.. يقولون إنه بمرور الوقت، قد يعمل نصف البشر لتسلية النصف الآخر، بينما تدير (الروبوتات) صناعات أولية مهمة كإنتاج الأغذية وتصنيعها.. وأقول: بهذا المعدل قد تصبح صناعة المحتوى هي المهنة المستقبلية الأكثر رواجاً وربحاً وضماناً.

 

فبراير 24th, 2021197

اكتب تعليق