تقرير الـ CIA .. مكائد السفهاء واقعة بهم
الكاتب : اللواء الركن م. الدكتور بندربن عبد الله بن تركي آل سعود

حقا.. لا أجد وصفا أصدق لسذاجة (أسطورة رجال وكالة المخابرات
الأمريكية المركزية)، وجهلهم المطبق، غير وصف المتنبي:

ومن جاهل بي وهو يجهل جهله. … ويجهل علمي أنه بي جاهل
والحقيقة، ربما أجد لهم العذر لأنهم يجهلون (كعادتهم)، أن جريرا كان يخاطبنا يوم قال:
ألستم خير من ركب المطايا …. وأندى العالمين بطون راح

فنحن قوم كما تغنى الحطيئة بأمجادنا:

أولئك قوم، إن بنوا احسنوا البنى … وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا  مغاوير أبطال، مطاعيم في الدجى … بنى لهم آباؤهم، وبنى الجد
وعلى (رجال أسطورة المخابرات المركزية الأمريكية)، أن يدركوا جيدا أيضا أنهم:
إذا غضب عليهم (السعوديون) (حسبوا) الناس كلهم غضابا
وقد ظهر غضبنا هذا جليا للعيان، إلا لمن أصابته غشاوة أو به صمم، في هذا السيل الجارف من الانتقاد لهذا التقرير الهزيل، الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه تعبير صارخ عن جهل مطبق وحقد دفين على أصحاب النجاح والعمل والإنجاز والكفاح والتميز والإبداع. فولي عهدنا القوي بالله الأمين،
هو من أهل العزم الكرام العظماء الذين قال فيهم أبو الطيب: على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
وكما يقال في مثل هذه المواقف: رب ضارة نافعة.. فكلما أراد سفيه أو طائش التعريض بقياداتنا والنيل منهم أو الإساءة إليهم، حفزتنا سفاهتهم للتسابق لإظهار هذه اللحمة الوطنية الاستثنائية الفريدة التي تجمع بين قيادتنا الحكيمة الرشيدة وشعبنا الوفي النبيل منذ بزوغ فجر دولتنا الفتية القوية
بالله هذه، صاحبة الرسالة السامية العظيمة الخالدة، ويد الخير الطولى للبشرية كلها.
فهلموا نلقي نظرة عجلى على أمريكا، شرطي العالم، التي تعد أكبر قوة اقتصادية وعسكرية دون شك، غير أن هذا لا يعني أنها دولة صاحبة مبادئ أخلاقية، تنشد الخير للبشرية كما تزعم.
يقول فيليب كورتين في كتابه (The world and the west): تعد الولايات الأمريكية المتحدة وكندا، أوضح مثال في العالم وأصدقه لفهم معنى الاستعمار بمعناه الحقيقي، الذي يعني: أحد أشكال السيطرة التي يمارسها مجتمع على آخر. إذ شهد هذان البلدان تبدلا ثقافيا، نتج في الأصل عن حركة هجرة خفية للأوربيين الذين نقلوا ثقافتهم معهم، دافعين أصحاب الموطن الأصليين جانبا، إلى أن أصبحوا أقلية صغيرة، وامتصت الثقافة الجديدة بعضا منهم، فيما تمكنت أقلية محدودة من الهنود الحمر من الحفاظ على ثقافتها. ثم ترك الغاصب الجديد هذه الأقلية المحدودة للأوبئة
والأمراض تنهش جسدها لتتلاش ى وتذوب كما يذوب الملح في الماء.
ثم بعثوا جاليات تجارية، أنشأت مستوطنات فيما بعد لتحقيق الاتصال الثقافي الذي سمح لهم بنشر لغتهم وثقافتهم على أوسع نطاق ممكن، وترسيخ عقيدتهم في كثير من بلدان العالم، والشواهد تفوق الوصف اليوم
على خارطة العالم في قاراته كلها.
ومن ثم توغلوا أكثر ليسيطروا على تلك المدن البعيدة التي جاؤوها بغرض التجارة سيطرة مباشرة، أو غير مباشرة أحيانا من خلال تنصيب أنظمة حكم استبدادية ودعمها بالمال والسلاح (ورجال الاستخبارات) وحمايتها، وإشعال جذوة الصراعات الأهلية والقبلية لتعطيل قدرات شعوب تلك البلدان عن العمل والإنجاز والإبداع، لتظل خرابا ينعق فيه البوم، بعد
ترسيخ أعداء البشرية الثلاثة من فقر وجهل ومرض في ترابها.
وهكذا يضمن المستعمر (أمريكا) بقاء تلك الثروات التي يسيل لها اللعاب، مخزونا إستراتيجيا حكرا عليها لتحقيق رفاهية شعبها؛ بل قل قلة قليلة من طبقة السكان (النبلاء) والمافيا التي أحكمت قبضتها اليوم على معظم بلدان العالم من خلال وهم الشركات العابرة للقارات والمنظمات الطوعية والحقوقية، التي تحميها أكثر من ثمانمائة قاعدة عسكرية من البيرو إلى ألمانيا، منتشرة في أكثر من سبعين دولة في مختلف قارات العالم، تتمركز
أكثر من ثلاثمائة قاعدة منها في عشر دول فقط.
أجل، تلك هي أمريكا اليوم التي اجتثت المجتمعات الأمريكية الأصلية تماما، لتقيم على أشلائها دولة بوليسية باطشة، تتحكم في العالم بالحديد والنار.
تلك هي أمريكا اليوم التي عرضت الرقيق للبيع على ساحل غرب أفريقيا
ونقلتهم إلى المناطق الاستوائية الأمريكية، ليحلوا محل الهنود النافقين،
وليكونوا في الوقت نفسه حقل تجارب للأمراض المعدية التي كانت سائدة
هناك، ولضمان إنتاج مؤونة غذائية محلية كافية، وتأمين القدرة على
الحماية والدفاع. و لو لا هذا، لنقلوا إلى تلك المناطق أوروبيين أمثالهم لإقامةمستعمراتفعلية.
أجل، تلك هي أمريكا التي استغلت قدرتها التنظيمية للتقنية وإنتاجها الفاعل للسلع لترسيخ النعرات وإشعال الفتن في كل أنحاء العالم، لتوفير أسواق رائجة لإنتاجها الحربي والمرتزقة من جنودها وشركات الحماية الأمنية العابرة للقارات وما شركة (Blackwater) وأخواتها، وما عاثته في العراق من خراب ودمار وقتل وسحل وتشريد وترويع للأبرياء الآمنين من الضعفاء، ببعيد عن الأذهان. ناهيك عن ممارسة الدولة (أمريكا) الرسمية من فظائع يشيب لها الولدان ويندى لها حتى جبين الشيطان في سجون أبو غريب، باغرام، قوانتانامو وغيرها من سجون سرية تحت الأرض هنا وهناك عبر مختلف بلدان العالم.
أجل، تلك هي أمريكا التي سعت جاهدة لتأجيج مشاعر الهوية العرقية والمذهبية، لتغذية الانقسامات داخل المجتمعات المحلية وإشعال جذوة الحروب الأهلية، لإنهاك البلدان وخرابها وتدميرها، حتى تسهل لها السيطرة عليها مباشرة أو غير مباشرة من خلال عملاء صنيعة (رجال مخابراتها).
أجل، تلك هي أمريكا التي ابتكرت كل وسائل الخراب والدمار والقتل
والتشريد في العالم، من أسلحة الدمار الشامل، إلى توظيف الماكينة
الإعلامية الهائلة، مرورا بغسل العقول والبرمجة الاجتماعية وصناعة داعش وأخواتها التي تفتق عنها عقل (رجال المخابرات) فغرسوا بذرتها النتنة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في صحاري أمريكا الشاسعة النائية، بمعزل عن البيت الأبيض، كما أكد ذلك كل من (Marie D. Jones و Larry .)Mind Wars( في كتابهما (Flaxman
تلك هي أمريكا إذا التي حاربت بشدة ظهور حكومات ديمقراطية حقيقية في العالم، وعملت بجهد كبير على ترسيخ ديمقراطيات وهمية موجهة وتسيس جيوش أنظمة الحكم الاستبدادية لخدمة أجندتها الظاهرة والخفية على حد سواء.
أجل، تلك هي أسطورة أمريكا التي صبت الحمم على اليابانيين الأبرياء العزل في هيروشيما وناقازاكي، فسلخت جلودهم، وأحرقت أجسادهم، وجعلت أعضاءهم تتساقط، وأسقطت الأجنة من بطون أمهاتها فيما كانوا يركضون مذعورين من هول الصدمة.
تلك هي أمريكا (الصادقة المخلصة الوفية)، التي ظلت طيلة تاريخها، أقصد منذ أن قضت على السكان الأصليين، وتأسست دولة استعمارية كبيرة، ترسل رسائل متعارضة للعرب واليهود الصهاينة، مثلما فعلت مع صدام حسين، عندما أوعزت له باجتياح الكويت، ثم انقلبت عليه بين عشية وضحاها، لتتخذ من دمار المنطقة موطئ قدم راسخ لها، يدعم اقتصادها ويحكم سيطرتها السياسية والعسكرية على الشرق الأوسط الذي يعد أكثر مناطق العالم من حيث لهيب الأحداث المتسارعة.
تلك هي أمريكا التي ما زال العالم يشاهد مناظر مقززة لشرطتها وهي تقتل السود من مواطنيها بدم بارد لأتفه الأسباب.
تلك هي أمريكا التي يعجز القلم عن تسطير كل مثالبها ومساوئها وجرائمها وظلمها واستبدادها وغطرستها التي تدفعها لخطف رؤساء الدول من غرف نومهم، كما فعلت مع نورويقا رئيس بنما في حكاية أقرب إلى أفلام هوليود من الحقيقة.
أجل تلك هي أمريكا التي أوغر صدرها نجاح السعودية وما حققته من قفزات مدهشة في مختلف مجالات التنمية، وظهورها قوة حقيقة سياسية واقتصادية وعسكرية فاعلة في المنطقة والعالم، لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال، نتيجة تنفيذ برامج رؤيتها الطموحة الذكية، التي هندسها ولي عهدنا القوي بالله الأمين.. تأتي اليوم بتقرير هزيل بائس كهذا، يحمل كذبه في طياته، ظنا أنه قد يمكنها من وضع العجلة في مسيرة السعودية وقافلة خيرها القاصدة.
والعجيب الغريب، أنني لم أكن أتخيل للحظة أن تبلغ السذاجة (برجال مخابرات الدولة العظمى في العالم) حدا يجعلهم يجرؤون على نشر تقرير هزيل كهذا، دون أن يكون فيه شاهد وحيد أو بينة قانونية أكيدة، تؤكد صدق مزاعمهم الفجة التي سئمها العالم كله، بمن فيهم من يقولون عنهم إنهم أصدقاء لهم؛ فضلا عن تجاهلهم عمدا أو جهلا لما حققته السعودية التي لم تكن تنتظر أمريكا أو غيرها لتنبهها على واجبها تجاه حماية مواطنيها، من عدالة في القضيةعلى كل حال،

اللعبة انتهت، لم يعد الناس في غفلة من أمرهم كما كانوا سابقا، إذ لم يعد أحد يقبل ادعاءات وافتراءات تلقى جزافا هكذا.. ربما كان العالم يصدق إن طوى النسيان هذا التأريخ الطويل المرير لما مارسته أمريكا من ظلم حتى لطائفة واسعة من مواطنيها، ناهيك عن مواطني بقية دول العالم، إذ ما زال دوي زخات الرصاص الذي أسكت مارتن لوثر كنق إلى الأبد، ليس لجريمة ارتكبها أو جريرة اقترفها، يعشش في الآذهان.. لأنه فقط كان يطالب بالعدالة لقومه.
كنا نتمنى على أمريكا أن تحقق العدالة الغائبة لقوم مارتن هذا في الداخل اولا، بعد مض ي أكثر من نصف قرن على اغتياله، ثم تأتي لتبحث عن عدالة مزعومة لخاشقجي أو غيره.. حتى ذاك الحين، تظل كل التقارير الفجة الموضوعة هباء منثورا، وادعاء صارخا مفضوحا، يحمل كذبه في طياته…
والسلام على من اتبع الهدى.

مارس 4th, 2021233

اكتب تعليق