الدعوة في أفريقيا وأثرها في نشر الإسلام
الكاتب : د. عبدالله بن معيوف الجعيد

الدعوة إلى الله عمل مقدس ورسالة سامية أرسل الله تعالى بها الأنبياء والمرسلين، وورثها عنهم من سلك سبيلهم من أهل العلم والمصلحين؛ ليعرفوا الناس بربهم عز وجل ويرشدوهم إلى طريق الهدى والصلاح في الدنيا والآخرة، وقد حمل الدعاة والعلماء لواء الدعوة إلى الله قرنا بعد قرنا، فجابوا البلاد يدعون العباد إلى الإيمان بربهم ويعلمونهم شؤون دينهم ويعينوهم على إقامة شرائعه بكل ما يمتلكون من وسائل.
وللدعوة إلى الله أهمية كبيرة ومكانة سامية في الإسلام فقد مدح الله القائمين عليها في كتابه الحكيم، حيث قال عز وجل (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وقد كان على الأمة الإسلامية أن تهتم بشؤون الدعوة وتعمل على دعمها وتوفير كافة السبل للدعاة ليتمكنوا من أداء رسالتهم وإيصال الدعوة الإسلامية للناس في أقطار الأرض كافة، وقارة أفريقيا على وجه الخصوص؛ وذلك لكونها محط أنظار المستشرقين الذين يسعون إلى نشر النصرانية بين شعوب القارة السمراء وقبائلها وخاصةً المسلمين منهم بشتى الوسائل المتاحة مستغلين بعض الظروف التي تمر بها القارة الأفريقية من فقر وأمراض واضطرابات سياسية.
وللقارة الإفريقية ميزة بارزة في تقبل الدعوة إلى الله تعالى، فقد كان القرن الإفريقي أول محطة من محطات الإسلام بعد مكة المكرمة، حيث لجأ السابقون الأولون من المهاجرين إلى النجاشي في الحبشة فارين من اضطهاد كفار قريش لهم، فآواهم النجاشي وأكرم نزلهم، ودخل في الإسلام، كما كان من بين الأفارقة سابقين للإسلام فقد كان بلال بن رباح من السابقين الأولين للإسلام، ومن الصامدين على التوحيد رغم ما قاساه من التعذيب وما عاناه من التهديد والوعيد، فلم يثنه ذلك عن إيمانه، فكانت منزلته عالية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اتخذه مؤذنا له ينادي بالتوحيد في اليوم خمس مرات، وأمره بالصعود على الكعبة يوم الفتح؛ ليصدح بالتوحيد ويتهادى صدى صوته بين جبال مكة التي كان يعذب في حرها ليرجع عن دين الله تعالى.. فيقول في ثبات المؤمن الصادق: أحد أحد.
وقد بدأت الدعوة في أفريقيا منذ أن فتح عمرو بن العاص مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن ثم تغلغلت الدعوة بين الشعوب والقبائل الأفريقية بواسطة البربر، وقد تتابع دخول الإسلام لمختلف دول ومناطق أفريقيا عبر الحقب الزمنية المتلاحقة إلى أن وصلت إلى إقامة الدول الإسلامية في العديد من مناطق أفريقيا بقيادة العديد من الزعامات الإسلامية، وقد نجحت هذه الدول في تطبيق الإسلام بصورة متكاملة، كما أسهمت الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة في ترسيخ القيم الإسلامية السامية وتعميق إنتماء الناس للإسلام في هذه الدول.
وقد كانت الدعوة (وبالرغم من أنها لم تكن منظمة في بدايتها) الوسيلة الأهم لانتشار الإسلام في قارة أفريقيا، فسرعان ما انتقل هم الدعوة إلى الشعوب الأفريقية التي حملت رسالة الدعوة إلى الله بعد أن اطمأنت قلوبهم للإسلام وما يحمله من مبادئ الخير والسلام للعالم أجمع، وقد كانت التجارة من وسائل الدعوة إلى الله، حيث نقلت القوافل التجارية الإسلامية الدعوة إلى الله ونشرت الإسلام في رحلاتها إلى السواحل الأفريقية الغربية، كما كان للمشايخ والدعاة والعلماء الأفارقة دور هام في نشر الإسلام من خلال الدعوة، بالإضافة إلى المؤسسات والمراكز الإسلامية التي تهدف إلى نشر الإسلام كدين وحضارة في قارة أفريقيا وفي مقدمتها الجامعات الإسلامية في عدد من الدول العربية والإسلامية وعلى رأسها الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، التي لعبة دورًا أساسيا في انتشار الإسلام في قارة أفريقيا، من خلال ما تقدمه من منح دراسية بالإضافة إلى المراكز والمعاهد الإسلامية التي أسست في مختلف أنحاء القارة، كما أن هناك العديد من المؤسسات والهيئات التي ساهمت في تعزيز الدعوة ونشر الإسلام في أفريقيا وعلى رأسها رابطة العالم الإسلامية و الهيئات التابعة لها و مكاتبها المنتشرة في القارة الأفريقية والندوة العالمية للشباب الإسلامي وجامعة أفريقيا العالمية في الخرطوم وجامع الأزهر وغيرها.
وقد كانت ثمار الدعوة الإسلامية وآثارها في قارة أفريقيا ظاهرة جلية، فبتوفيق الله وجهود الدعاة أصبحت أفريقيا قارة الإسلام نظرًا لإنتشار الإسلام في جميع مناطق القارة فقد أشارت الإحصائيات إلى أن نسبة المسلمين وصلت في الشمال الأفريقي إلى 90.9%، و62.7% في الغرب وما يقارب 50% في الشرق، كما أن المسلمين يشكلون أغلبية في الكثير من الدول الأفريقية.
وقد كان للمشاريع التنموية التي تنفذها وتشرف عليها الدول الراعية للدعوة الإسلامية وفي مقدمتها دول الخليج العربي وخاصة بلاد الحرمين الشرفين المملكة العربية السعودية أثر كبير في إنتشار الإسلام في قارة أفريقيا، فقد قدمت هذه الدول العديد من المشاريع التنموية والدعوية الهامة للشعوب الأفريقية والتي تضمنت إنشاء المدارس والمستشفيات وآبار المياه ومراكز تحفيظ القرآن، بالإضافة إلى العديد من المشاريع الإغاثية التي تقدم للمناطق الفقيرة والمهمشة، والتي تظهر لهذه الشعوب سماحة الدين الإسلامي والأخلاق الرفيعة التي يحملها المسلمون، واهتمامهم بغيرهم من الشعوب.
وفي هذه المرحلة من التاريخ والتي تتميز بالاستقطاب الحاد بين أقطاب العالم سياسيا واقتصاديا وفكريا، تمس الحاجة إلى التفات جاد إلى وضع الدعوة إلى الله تعالى في القارة الإفريقية، بحيث تتكامل الجهود الفردية وجهود المنظمات الخيرية مع الجهود الحكومية لدول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية بصفة خاصة؛ لتتحقق من خلال ذلك الأهداف السامية من المحافظة على المكتسبات المتراكمة للعلاقات العربية الإفريقية الممتدة من فجر الإسلام، ولا شك أن الدعوة إلى الله عنصر مهم في هذه العلاقة حيث إنها تلامس الشعوب ومختلف شرائح المجتمع وتحقق مصالح الحكومات الإفريقية في التنمية.
فما أحوجنا إلى تجميع جهودنا في سياق واحد منضبط متزن تحقق به المصالح العليا، كي لا تستغل من المتربصين من أصحاب التطرف والغلو، أو المتأثرين بالتيار الصفوي، فلكلا الاتجاهين نشاط متنام في القارة الإفريقية، يهدد الفهم الصحيح للإسلام الذي هو أحد ركائز الدعوة، كما يهدد علاقة القارة الإفريقية بحضنها العربي ومن أهمه الخليج العربي والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص.

د. عبدالله بن معيوف الجعيد
@abdullahaljuaid

مارس 16th, 2021226

اكتب تعليق