مديرون بلا أخلاق!
الكاتب : محمد البلادي

 

▪️أعتقد أننا الأمة الوحيدة على ظهر الأرض التي اختزلت مفهوم الأخلاق الواسع في نطاق ضيق جداً لا يكاد يتجاوز التواضع وحسن التعامل!.. فمن يتميز منا بالمجاملة والملاطفة نسبغ عليه صفة الشخص ذي الخلق الرفيع، حتى وإن كان تواضعه هذا مصطنعاً ولطفه مستعاراً.. متناسين أن الأخلاق منظومة واسعة من القيم والفضائل التي جاءت بها الأديان واتفقت عليها البشرية طوال قرون.. واللافت أن هذا يحدث بشكل ملحوظ في بيئات العمل، خصوصاً في نظرة بعض المرؤوسين لرؤسائهم، حين يرون أن مجرد تبسّط المدير وتواضعه معهم هو فضيلة يستحق أن يمنح عليها لقب (أخلاقي) حتى وإن كانت بقية سجاياه تخالف الأخلاق جملة وتفصيلاً.

▪️التواضع والتعامل الإنساني مع المرؤوسين أمران مطلوبان لرفع الروح ودرجة الولاء المؤسسي عند العاملين في أي منظمة، لكنهما ليسا كل شيء في الإدارة، كما أنهما ليسا مسوغاً كافياً لإطلاق مسمى (أخلاقي) على المدير، فمنظومة الأخلاق تشمل النزاهة والأمانة والصدق والإخلاص والاتقان والعدل والشجاعة، وهي كلٌ لا يتجزأ ولا يجوز تقسيمها أو الاكتفاء بجزء منها وترك جزء، فهذا نفاق واضح وانفصام بيّن خصوصاً أولئك الذين يختبئون خلف لطف مصطنع أو تدين مزيف بينما لا يتورعون في الخفاء عن ارتكاب فواحش وكبائر تخالف أبسط قواعد الأخلاق والدين، وأسهل متطلبات المهنية.

▪️الأخلاق الحقيقية في العمل تعني أن يسعى المسئول الى ترسيخ مبدأ الجدارة والكفاءة والإنتاجية في منظمته، وتعزيز الاستقامة من خلال الابتعاد عن المصالح الشخصية المتداخلة والمتعارضة، ومراعاة الأمانة في الإفصاح عن البيانات والمعلومات، ناهيك عن تكريس مفاهيم العدالة والنزاهة والمساواة من خلال التعامل العادل والواضح مع كافة العاملين، والمسؤولية في الاستخدام الأمثل والنزيه لموارد المنظمة، والمساواة في تقديم الخدمات والمنتجات للمستفيدين دون تمييز أو تحيز.

▪️في فيلم «أرض النفاق» المأخوذ عن رواية بنفس الاسم ليوسف السباعي يسلط الكاتب الضوء على إشكالية مجتمعاتنا العربية المزمنة مع الأخلاق، معتمداً على أسلوب المقارنة الساخرة لتوضيح مدى انتشار النفاق في المجتمعات، من خلال الإشارة الى رواج (حبوب النفاق) مقابل كساد كامل لحبوب (الصراحة) و (الصدق) وبقية الأخلاق الفاضلة، وهي -في رأيي- ذات الإشكالية التي تعاني منها الإدارة العربية، التي مازالت ترزح تحت مخلفات تاريخ طويل من حكايات النفاق الإداري الذي تسببت به وراكمته قيادات استخدمت الأخلاق الظاهرية لتحقيق مصالحها فقط.

▪️يلعب قادة الأعمال الأخلاقيون دورًا فريدًا ومهماً في تأسيس الثقافة الأخلاقية لأعمالهم ومنظماتهم وبالتالي التأثير على مجتمعاتهم الأوسع أيضًا، أما أصحاب الأخلاق المقتصرة على القشور والتي لا تنهى ممارسيها عن الفساد فإنهم يرتكبون جريمة أبشع وأشنع حين يجسدون لصغار الفاسدين صورة المدير (الفهلوي) الذي ينجح في تحقيق مصالحه الخاصة، من خلال خداع الآخرين بأخلاق مزيفة.

▪️المدير الفاسد هو مدير بلا أخلاق مهما تلطّف وحسَّن من درجة تعامله مع الناس، ومهما تستّر خلف لباس ديني.

 

مارس 20th, 2021430

اكتب تعليق