اخرج من تجارب كتب التنمية.. وعِش تجربتك!
الكاتب : محمد البلادي

 

· لم يكن الانغماس في كتب ومحاضرات التنمية الذاتية أسهل ولا أكثر غزارة منه اليوم، وكأن البشرية باتت تسبح فوق بحر لا متناهٍ من مواد تطوير الذات (كتب، محاضرات، مقالات) التي يقدمها قلةٌ من الخبراء الحقيقيين العارفين، وكثير من الأدعياء الطامعين في الوصول ولو لبعض الفتات من كعكة هذه الصناعة التي قدّرت بعض الإحصاءات قيمتها حول العالم في العام 2019 بأكثر من 38 مليار دولار!.

· أعترف أنني كنت قارئًا دؤوبًا لهذا النوع من الكتب منذ المرحلة الثانوية، بل إنها كانت خياري الأول في مرحلة عمرية معينة، إلى الحد الذي شعرت معه بالملل والانزعاج من تناقل النصائح المكرورة، وتناسخ القصص مجهولة المصدر.. لذا يمكنني أن أقول لك بضمير مطمئن أن هذه الكتب والمحاضرات والمواد لن تحدث فارقاً جوهرياً في حياتك دون ممارسة واقعية تضعها على المحكّ، لأن معرفة النظرية لا تغني أبداً عن الممارسة والمعايشة والتطبيق.

· النضج مرحلة يعتقد كل إنسان أنه قد وصل إليها، وهذا قد يكون وهماً تقود إليه بعض مواد تطوير الذات المخادعة، التي كثيراً ما تلقي في روعك أن ما يفصل بينك وبين النضج الكامل هو الانتهاء من قراءة كتاب ما أو حضور محاضرة مدفوعة، متجاهلين أن النضج مرحلة لن تدخلها عبر أبواب الكتب مهما حفظت من النصائح والعبارات الرنانة، بل لا بد من الدخول لهذه المرحلة عبر أبواب الحياة وتجاربها الحقيقية، فكما أنك لن تتعلم قيادة السيارة حتى لو قرأت ألف كتاب عن قيادة السيارات ما لم تمارس القيادة فعلياً، فلن تتعلم وتنضج خبراتك في الحياة الا بممارسة ومعايشة حياتية حقيقية.. هذه ليست دعوة لترك القراءة، فلست ضد الاستفادة من الجيد من مواد التنمية الذاتية، لكنني بالتأكيد ضد الانغماس فيها حد التخدير وإلغاء شخصيتك وتجربتك الخاصة، وضد الاعتقاد الواهم أنها تغني عن مواجهة حقيقية مع الحياة، والخوض في معاركها وتحدياتها.

· كل إنسان يتمنى أن يكون له دور حقيقي ومؤثر في الحياة، لكن من يلعبون الأدوار المؤثرة حقاً هم من يفهمون قواعد وقوانين الحياة، لا من يكتفون بالتنظير.. من يستفيدون من تجاربهم ويعدّلون أخطاءهم لا من يبررونها، فإذا كنت تريد نضجاً مستداماً فعليك العيش بقلب وعقل منفتح لا يأنف التعلم من أي شيء، عليك الثقة في نفسك وفي قدرتك على التحسن والترقي وعدم التكبر على النقد البنّاء مهما كان مصدره .. مع التشديد على أن تستمع أكثر مما تتحدث، وأن تدخل نقاشاتك بعقلية الباحث عن الصواب لا الباحث عن الانتصار وفرض رأيه.. وأن تتعلم من تجاربك غير الناجحة، مخاطباً نفسك دوماً بطريقة إيجابية.

· لا أحد يفهم ذاتك مثل ذاتك، فأخرِج رأسك من دوامة مواد التنمية وتجاربها وعِش تجربتك الإنسانية الخاصة بكامل تفاصيلها.. وأياً كان عمرك أو مستوى تعليمك تذكّر دوماً أن تعيش بمبدأ المتعلم المتواضع متفتح الذهن، والراغب في الاستفادة من كل شيء حوله.

أبريل 7th, 2021137

اكتب تعليق