رؤية الرؤى.. طموح شعب لا يعرف المستحيل
الكاتب : اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود

في الخامس والعشرين من شهر أبريل لعام 2016، أبحرت سفينة مستقبلنا نحو الأفضل، عندما أعلن ولي عهدنا القوي بالله الأمين، أخي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، عن رؤيتنا الطموحة الذكية (2030) التي هندسها سموه الكريم، وتعد واحدة من أعظم برامج التحول الوطني على مستوى العالم؛ وتؤكد طموح قيادتنا الرشيدة الذي لا تحده حدود، وثقتها المطلقة في قدرات شعبها الذي لا يعرف المستحيل، على حسن استغلال موارد بلاده الهائلة وتوظيفها بعقل وعلم مؤسس على التعليم والتدريب والتأهيل، سعيا لتحقيق تنمية شاملة، يعم خيرها الجميع في ربوع هذا الوطن العزيز الغالي، الذي نسعى كلنا جاهدين لجعله وجهة عالمية رائدة في مقدمة دول العالم، كما أكد ولي عهدنا الأمين عرّاب الرؤية.

وخلال خمسة أعوام فقط، أي الثلث الأول من المدة التي تم تحديدها لتخقيق أهداف الرؤية، أدهش السعوديون العالم بما حققوه من إصلاحات جوهرية، أفضت إلى تحقيق إنجازات مهمة في مختلف المجالات ضمن برامج الرؤية، لاسيما فيما يتعلق ببرنامج التحول الوطني. وفي ما يلي أهم تلك المنجزات التي تحولت من حلم طالما راود خيال الجميع، إلى حقيقة ملموسة على الأرض أذهلت العالم وأدهشته:

* لنبدأ بما تحقق في ما يتعلق بخدمة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة ورعاية ضيوف الرحمن من حجاج ومعتمرين وزائرين؛ إذ بذلت القيادة الرشيدة جهدا مقدرا لتنفيذ برامج الرؤية، فحققت نقلة نوعية لقاصدي الحرمين الشريفين كمّا ونوعا، من خلال تنفيذ برامج عديدة فيما يتعلق بالسعة الاستيعابية، والارتقاء بالخدمات، وتسهيل الإجراءات باعتماد أحدث التقنيات العالمية، وتوفير نقل آمن يعتمد أحدث أنظمة النقل والسلامة عالميا.
والحقيقة، الحديث عن الإنحازات في هذا المجال الحيوي المهم، يكاد لا يأذن بنهاية، لأنه يمثل ذروة سنام رسالة بلادنا السامية العظيمة التي من أجلها أنشئت.. غير أنني أكتفي هنا بما حققته بلادنا من حج استثنائي العام المنصرم (2020/1441) في ظرف استثنائي، فرضه ظهور جائحة كورونا الاستثنائية التي ملأت الدنيا وشغلت حتى الدول العظمى، أكثر مما فعل شعر المتنبي. فأشاد طبيب العالم (منظمة الصحة العالمية) بتجربتنا الفريدة الناجحة، وناشد العالم اعتماد خبرتنا في طب الحشود لمكافحة الجائحة.

* وبالطبع يقودني هذا مباشرة لما تحقق وفق برامج الرؤية في المجال الصحي، مما أدى لتعزيز كفاءة الأنظمة ومضاعفة قدراتها الاستيعابية كمّا ونوعا، واستحداث أنظمة جديدة، واعتماد التقنية لتوفير أفضل خدمة صحية في أقصر وقت ممكن بأقل جهد وتكلفة؛ إضافة لتحسين جودة الخدمات الصحية الطارئة، وتطوير نظام السلامة فيما يتعلق بحركة سير المركبات الذي أسهم كثيرا في الحد من المخاطر الصحية التي تنجم عن الحوادث وما يترتب عليها من آثار سالبة على اقتصاد البلاد.
والحقيقة، تكفيني الإشارة هنا بكل فخر واعتزاز لاعتماد منظمة الصحة العالمية تجربتنا في مكافحة الملاريا ومحاربة التبغ لكي تكون أنموذجا عالميا تحذوه بقية دول العالم.

* لما كان الاقتصاد يمثل أحد الركائز المهمة لرؤيتنا، تحققت ضمن برامجها خلال خمسة أعوام فقط من عمرها، نجاحات استثنائية، وأرقام قياسية شملت تشجيع الاستثمارات المحلية والعالمية، وتوطين الصناعات العسكرية الإستراتيجية، واستحداث أنظمة جديدة وبرامج لتحسين أداء قطاع الأعمال، إضافة لاستحداث قطاعات جديدة واعدة، كمشروع القدية والبحر الأحمر ونيوم، والحد من الاعتماد على النفط، ودعم القطاع الخاص. فكانت المحصلة إتاحة مزيد من فرص التوظيف للمواطنين، لاسيما المرأة التي أصبحت مشاركا أساسيا في القوى العاملة في كل المجالات، ليس هذا فحسب، بل تسنمت مراكز قيادية، وأثبتت قدرة فائقة على تحمل المسؤولية ورغبة أكيدة في خدمة بلادها.
وقد تم هذا نتيجة جهود حثيثة صادقة، ركزت على التعليم والتدريب والتأهيل؛ وقد أدى ذلك كله لتقدم بلادنا في مؤشرات التنافسية العالمية، وتأسيس قاعدة اقتصادية صلبة، تضمن استمرار الأعمال مهما كانت التحديات.

* كان الإسكان يمثل سابقا ملفا يشكل هاجسا كبيرا لدى المسؤولين نتيجة اهتمام الدولة بتوفير سكن مناسب لائق لكل مواطن من مواطنيها. ولهذا كان تحقيق هذا الطموح بمثابة تحدٍّ حقيقي. ولهذا السبب أيضا اهتمت رؤيتنا بإيجاد حلول سكنية ذكية مستدامة، شملت توفير خيارات سكنية متنوعة، وحلول تستجيب لخيارات المواطنين، وتأسيس كيانات عديدة داعمة لمنظومة الإسكان وتشغيلها، وتقديم التمويل العقاري الفوري… إلخ؛ وقد أفضى هذا كله لزيادة نسبة تملك الأسر السعودية، لاسيما تلك التي تعد أشد حاجة، للمسكن اللائق.

* لما كان الماء عصب الحياة، حققت برامج الرؤية حتى الآن إنجازات عالمية في إنتاج المياه المحلاة، استحقت عليها شهادات عالمية، إذ يوجد لدينا اليوم أكبر منشأة للمياه المحلاة في العالم، وأكبر محطة؛ إضافة لبرامج أخرى عديدة، تعمل كلها جنبا إلى جنب لترشيد استهلاك المياه وتعزيز الوعي المجتمعي تجاه هذا الأمر الحيوي المهم الذي بدأت نذر حربه العالمية تلوح في الأفق.

* أما في ما يتعلق بمجال البيئة التي أولتها رؤيتنا ما تستحق من اهتمام، فقد تحققت في هذه المدة الوجيزة من عمر الرؤية إنجازات مهمة أبرزها: تأسيس صندوق البيئة، وإنشاء سبع محميات طبيعية ملكية، إضافة لتدشين محمية شرعان وتأسيس صندوق عالمي للنمر العربي، بجانب تأسيس خمسة مراكز متخصصة في مجال البيئة، والإعلان عن مبادرات عالمية، وأخرى للحد من انبعاث الغازات السامة التي تؤدي للاحتباس الحراري وزيادة درجة حرارة الأرض، بل تم تأسيس قوات خاصة لضمان أمن البيئة.. إلى غير هذا من إجراءات مهمة عززت دور بلادنا في المحافظة على بيئة صحية سليمة آمنة خالية من التلوث.

* على صعيد آخر، تم في إطار اهتمام الرؤية بتعزيز الموروث الثقافي والتراثي لجعل الثقافة نمط حياة لكل أفراد المجتمع، تأسيس وزارة مستقلة، تعنى بالشؤون الثقافية، حققت نجاحات عديدة مهمة، كإدراج مواقع تراثية ضمن قائمة اليونسكو، زيادة مواقع التراث الوطني، تأسيس مجمع الملك سلمان للغة العربية، زيادة حركة معدلات الترجمة والتأليف وتعزيز الوعي المجتمعي للحفاظ على التراث الثقافي والتاريخي.. إلى غير ذلك من جهود ثقافية مقدرة، جعلت بلادنا تحتل المرتبة الأولى عربيا في تقرير السعادة العالمي، كما عززت مكانتها العالمية في المجال نفسه.

وبالجملة: يقال الشيء نفسه عن السياحة والرياضة، إضافة لتطوير الأنظمة الحكومية، وتعزيز روح العمل الطوعي لترسيخ المسؤولية المجتمعية، لاسيما في ما يتعلق بخدمة ضيوف الرحمن.

والحقيقة، الحديث يطول عمَّا تحقق من إنجازات مدهشة من برامج الرؤية في هذه المدة الوجيزة، غير أنني أختصره في تأكيد قائدنا إلى المكرمات، حادي ركب سفينتنا وقافلة خيرنا الفاصدة، خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد الملك سلمان بن عبد العزيز، الإداري الفذ، إذ يقول: (لقد وضعت نصب عيني منذ أن تشرفت بتولي مقاليد الحكم، السعي نحو التنمية الشاملة من منطلق ثوابتنا الشرعية، وتوظيف إمكانات بلادنا وطاقاتها والاستفادة من موقع بلادنا وما تتميز به من ثروات وميزات لتحقيق مستقبل أفضل للوطن وأبنائه مع التمسك بعقيدتنا الصافية والمحافظة على أصالة مجتمعنا وثوابته).
وبالمقابل، يعد هذا أيضا تأكيدا لقناعة ولي عهدنا القوي بالله الأمين، أخي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمة، تلك القناعة الراسخة لدى سموه الكريم في قدرات شعبه الذي لا يعرف المستحيل، التي يرددها في كل محفل: (أحسب أنه لا توجد أية تحديات أمام هذا السعب السعودي العظيم).

وختامأ:

سنبقى كلنا جنودا أوفياء لخدمة هذا الوطن العزيز الغالي، كما يصفه أخي الشاعر الكبير الأمير البدر مهندس الكلمة، إذ يقول:

يا سائلا عما تمثله الأوطان
وليه الوطن حقه كبيرٍ عليه

ترى الوطن ما هوب ربع وجيران
ولا هو عناوينك ولا هو الهوية

هذا الذي له موضع بين الأجفان
والقلب مشكاة المصابيح ضيَّه

أنا السعودي صح ترى الناس صقهان
عن كل لفظٍ فيه فخر وحمية

أنا لهيب المجد والناس دخان
شربي سحاب وشرب غيري البقية

يونيو 12th, 2021268

اكتب تعليق