اللغة العربية لغة القرآن
الكاتب : د. صالح سعود السعود

إن الحمد لله أم بعد :-
من أحب الله أحب رسوله محمدًا ، ومن أحب رسوله محمدًا أحب لغة القرآن الكريم، التي لا يكون معرفة القرآن والسنة إلا بها، ولا يتم فهم علومهما ومقاصدهما بدونها، تعلّمها وإتقانها من الديانة، فهي أداة علم الشريعة ومفتاح الفقه في الدين.
المُتأمِّل في تأريخ الأمم والمُجتمعات وتعاقُب الأمجاد والحضارات يُلفِي فيها رُكنًا ركينًا، وقُطبًا من أقطابها متينًا، يُعدُّ من أهم ثوابتها وأُصولها، وسببَ نشأتها وقيامها، ذلكم هو لسانُها ولُغتُها.
فاللغةُ تُعلِي الرفيعَ عن الوضيع، وإننا -أبناءَ هذه الأمة الإسلامية- قد منَّ الله علينا بأفصَحِ لسانٍ، وأبلغ بيانٍ، وأفضلِ لُغةٍ لغةِ القرآن الكريم: اللغة العربية.
وإذا طلبتَ من العلومِ أجلَّها فأجلُّها منها مُقيمُ الألسُنِ
اللغةُ العربيةُ زهرةُ التأريخ العابِقة، هي المنهلُ للعلاء والتَّمكين، والبيانُ والتبيينُ للنورِ والحقِّ المُبين، والينبوعُ الثَّرُّ الذي ترتوِي منه العقولُ ، والسِّراجُ الوهَّاجُ الذي يُضِيءُ المُجتمعات.
لغةٌ إذا وقعَت على أسماعنا كانت لنا بردًا على الأكبادِ
ستظـــــــلُّ رابطةً تُؤلِّفُ بيننا فهي الرجاءُ لناطقٍ بالضـــادِ
لقد كان العربُ قبل الإسلام أمَّةً مُمزَّقةَ ، ولكن جمعَتهم أواصِرُ الفصاحةِ الهُمامة، وألبَسَتهم أثوابَ المُروءةِ والشهامة، فعلى بِساط اللغةِ يجتمعون، كلٌّ منهم يكشِفُ عما حوَى في جِرابه؛ من نثرها وشِعرها، ونحوِها وصَرفِها، وبلاغتها واشتِقاقِها؛ فبَين فخرٍ وهِجاءٍ، ومدحٍ ووصفٍ ورِثاءٍ، يُمتِعون أسماعَ الزمان، ويُبهِجون مُقَل الأكوان، بسَلسَالٍ من بديع الألحان، وعَذبِ الكلماتِ الحِسان. فاللغةُ كانت نبعًا ثَرًّا يُؤلِّفُ بين قبائل العربِ في مجالسِهم ومُنتدياتهم.
سرَت كالمُزنِ يُحيِي كلَّ أرضٍ ويُبهِجُها سُهولاً أو وِهادًا
وما للهجةِ الفُصحَى فَخارٌ إذا لـم تملأِ الدُّنيا رشــــادًا
إن اللغةَ العربيةَ الشريفةَ لها حقٌّ علينا حقيقٌ؛ فمن بعضِ حقِّها أن نرعَى قدرَها في كلِّ منسوبٍ إليها، وأن نسعَى لنجدَتها كلَّما مسَّها ضُرٌّ، أو حَزَبَها أمرٌ؛ فلُغتُنا العربيةُ اليوم وفي عصر أنماط العَولَمة، وغلبَة عامِّيِّ اللهَجات، وانفجار المعلومات، وفضائيِّ القنوات والشبكات ، ولازالت سببًا لتقارُب الأمم التي دخلَت في دين الله أفواجًا، وأعلَى الدينُ شأوَها ورفعَ شأنَها.
فما أهوَى سِوَى لغةٍ سَقَتْها قريشٌ من براعتِها شِهَادًا
وطوَّقَها كتــــابُ الله مجــــــــــدًا وزادَ سَنَا بلاغتها اتِّقــــادًا
لقد أضحَت اللغةُ العربيةُ لدى كثيرٍ من المُسلمين اليوم في خُفُوت، ورياحُها الشذِيَّةُ العبِقةُ في هُفُوت.ولقد كان سلفُنا الصالحُ -رحمهم الله- يُعنَون بالعربية، ويُعاقِبون صِبيانَهم على اللَّحنِ، ويُثِيبونَهم على الفصاحَة والبيان. يقول الفاروقُ عمرُ بن الخطاب : (تعلَّموا العربيةَ؛ فإنها تُنبِتُ العقلَ وتزيدُ المُروءةَ)، وكتبَ كاتبٌ لأبي موسى الأشعريِّ خطابًا لعُمر فبدأَه بقوله: (من أبو موسى)، فكتبَ إليه عُمرُ أن اضرِبه سَوطًا، واستبدِله بغيره. الله أكبر! ويا لله! ما أعظمَ غيرتهم على لُغة القرآن! فلله درُّهُم!
سمِعَ الأعمشُ رجلاً يلحَنُ في كلامِه فقال: من الذي يتكلَّم وقلبي منه يتألَّم؟! إن اللغةَ العربيةَ -يا رعاكم الله- هي كما قالَ الإمام الشافعيُّ رحمه الله : “أوسعُ الألسِنة مذهبًا، وأكثرُها ألفاظًا، ولها مكانتُها العُظمى في هذا الدين”.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “اللغةُ العربيةُ من الدين، ومعرفتُها فرضٌ واجبٌ؛ فإنّ فهمَ الكتاب والسنة فرضٌ، ولا يُفهمُ إلا بفهم اللغةِ العربية، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ”. ويقول أيضًا رحمه الله: “ومعلومٌ أن تعلُّمَ العربية وتعليمَها فرضٌ على الكفاية”.
وقد عبَّر الشاطبيُّ -رحمه الله- عن هذا المعنى بقوله: “إن الشريعةَ عربيةٌّ، وإذا كانت عربيَّةً فلا يفهمُها حقَّ الفهمِ إلا من فهِمَ اللغةَ العربيَّةَ حقَّ الفهمِ، فإذا فرضنا مُبتدِئًا في فهم العربية فهو مُبتدِئٌ في فهم الشريعة، أو متوسِّطًا فهو متوسِّطٌ في فهم الشريعة، فإن انتهى إلى درجة الغايةِ في العربية كان كذلك في الشريعة”.
معاشر المسلمين، ومع كلِّ التحديات والمُتغيِّرات فإن اللغةَ العربيةَ محفوظةٌ بحفظِ الله تعالى لكتابه العزيز: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]، وإن تراكَمَت عليها النكبات، وتكاثَرَت عليها السِّهامُ الحاسِرات،فإنها قامَت وستقومُ فتِيَّةً قويَّة، شامِخةً عفِيَّة، وألجَمَت أفواهَ عِداتها. ولله درُّ القائل على لِسانها:
وسِعـــتُ كتــــــــــــابَ الله لفظًا وغايــــــةً وما ضِقتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيـــفَ أضيقُ اليوم عن وصفِ آلةٍ وتنسيـــــــــقِ أسمـــــــــــــــاءٍ لمُخترعاتِ
وبعدُ: أمة اللغة والضاد، إنها ذِكرى للذاكرين، وهَتفةٌ لتنبيه الغافلين؛ فتمسَّكوا بلُغتكم، وربُّوا عليها أبناءَكم؛ لتظفَروا بالغُنم والكرامة في الدنيا ودار الخُلد والمُقامة.
أئمةَ اللغة الفُصحى وقادتَها ألا بِدارًا فإن الوقـــــــــتَ كالذَّهَبِ
ردُّوا إلى لُغةِ القرآن رونَقها هيَّا إلى نصرِها في جحفَلِ اللَّجِبِ
لغة الأمة ميزان دقيق، ومعيار أساس في حفظ هوية الأمة؛ ومصدر عظيم من مصادر القوة، وإذا أضاعت أمة لسانها أضاعت تأريخها وحضارتها كما تُضيِّع حاضرها ومستقبلها.
اللغة هي أهم ملامح الشخصية الإنسانية،إن شواهد التأريخ قديمها وحديثها تظهر بجلاء أنه لم تتقدم دولة، ولم تُشَد حضارة ما لم تكن العلوم والتعليم بلغة الأمة نفسها، لا بلغة أجنبية عنها.
والعجيب في هذا التأريخ الإسلامي العظيم، أن أبناء الأمم الأخرى هم الذين كانوا يتسابقون إلى تعلم لغة القرآن، لغة الدين والعلم، بل هم الذين نبغوا فيها، وشاركوا على نحو مدهش في وضع قواعدها، وجمع معاجمها، انطلاقًا من الشعور الإسلامي الرائع، الذي أحل لغة القرآن أرفع المنازل؛ لأنها لغة الدين والتنزيل.
وإذا كانت لغة القرآن، ولغة الإسلام بهذه القوة، وبهذه المقدرة، وبهذه المنزلة، فلا غرابة أن تكون مستهدفة من أعدائها، فلقد علم المشتغلون بدراسات التاريخ المعاصر، والمتابعون لمسيرة الاستعمار، وسياساته أن التهجم على اللغة، والتهوين من شأنها، والسخرية من المشتغلين بها، والتهكم بها في وسائل الإعلام، والقصص، والروايات، والمسرحيات، في سياسات مرسومة، وحملات مكثفة، ثم تلقّف ذلك مِن بعدهم وعلى طريقهم أذناب وأجراء وعملاء.
وقد يكون من غير الحصيف ـ أيها الإخوة ـ أن نلوم أعداءنا فيما يقومون من أجل مصالحهم، وتحقيق أهدافهم، وسعيهم في تحطيم غيرهم، ولكنَّ الأسف والأسى أن يصدر ذلك ويتبناه فئات من بني قومنا، تعلقوا بالأجنبي، وولّوا وجوههم شطره، ثقافيًا وفكريًا، وأصبحوا ينظرون إلى ثقافة الإسلام بازدراء، وإلى لغة القرآن باحتقار، والأجنبي لم يضمن ولاءهم اللغوي فحسب، ولكنه ضمن ولاءهم الفكري والسياسي.لماذا هانت علينا أنفسنا؟ وهانت علينا بلادنا؟ وهانت علينا لغتنا، لغة ديننا ولغة قرآننا؟
إن الأزمة أزمة عزّة لا أزمة لغة، وأزمة ناطقين لا أزمة كلمات، لم تضعف اللغة ولم تعجز، ولكن ضعف أبناؤها، وقصَّر حماتها، إن من الظلم والحيف أن يتَّهم هؤلاء الأبناء العاقون الكسالى لغتهم من غير حجة ولا برهان، ضعافٌ في أنفسهم، مهازيل في طموحاتهم، يُرهبون أنفسهم بثورة المعلومات، وترتجف قلوبهم لتقدم التقنيات.
ما الذي يريده هؤلاء المساكين؟ هل يريدون أن ينسلخوا من هويتهم فيهاجروا بألسنتهم وعقولهم إلى أعدائهم ويتحولوا إلى مخلوقات تفكر بعقول غير عقولها؟هل يتخلون عن هويتهم ودينهم وعزهم بسبب نظرة ضيقة ومنفعة آنية هي في مآلها ومصيرها ضرر ماحق، وخطر داهم، وبلاء محدق؟!وحين يحدثونك عن اللغة وسوق العمل ليتهم يحدثونك عن مصطلحات علمية، وتقنيات متقدمة، واتصال بالجديد من العلم والتقنية، ولكنه مع الأسف ليس سوى إتاحة فرص لعمالة وافدة متوسطة التأهيل، ومتدنية الكفاءة، تتربّع على مواقع العمل في المؤسسات والشركات، والأسواق والتجارة، مهمتهم عرض البضائع وترويج السلع، وترتيب المستودعات، وقيد السجلات، وضبط المراسلات.
سوق عمل مخزي، تحولت فيه المستشفيات والفنادق وبعض أقسام الجامعات وبعض الأسواق ومعارض البضائع والتجارات واللوحات الإعلانية والتجارية، تحول كل ذلك إلى بيئات أجنبية، يتبادل فيها أبناء الأمة لغة أو لغات أجنبية، حتى تحولت قوائم الأطعمة والسلع والأسعار إلى اللغة الأجنبية، وفرضت وجودها وأنماطها على شرائح واسعة من أجيال الأمة، فاضطربت لغة التخاطب، وفسدت الألسن، وزادوا تخلفًا إلى تخلفهم، وضعفًا إلى ضعفهم، وامتلأت سوق العمل بالوافدين من غير حاجة حقيقية، ويريدون من أبناء الأمة أن يتحدثوا اللغة الأجنبية من أجل هؤلاء، زاعمين أنهم بهذا يهيئون لأبنائهم فرص العمل.إن من الغفلة الشنيعة الزعم بأن مصلحة السوق، ودواعي الاستثمار تتطلب لغة أجنبية، فكل بلاد العالم ولا سيما المتصدرة منها قائمة التقديمة لا يمكن أن تُؤثر شيئًا على لغتها مهما كانت الأسباب والدواعي والدوافع.أما كان الأجدر بهؤلاء إن كانوا وطنيين مخلصين أن يجعلوا تحدث لغتها شرطًا في العمالة الوافدة، بدلا من إجبار أبنائنا أن يتحدثوا لغة أجنبية من أجل هؤلاء الوافدين؟! إن هذا ـ والله ـ لانتكاسة عجيبة.وفي محاسبة جادة، ومساءلة صادقة، إن كثيرًا من الشعوب الموصوفة بالنامية قد انزلقت في تعليم أو تعميم اللغة الأجنبية في أبنائها، فماذا أفادت وماذا استفادت؟ هل خرجت من قوس النامية هذا؟!إن أي أمة تروم التقدم والقوة والعزة والاعتماد بعد الله على نفسها لا يمكن أن تمتلك زمام العلم والتقنية إلا حين تعلّم ذلك كلَّه بلغتها.
في هذه الاضطراباتِ التي تجتاحُ أمَّتَنا، والنَّعَرات التي تُهدِّدُ وحدتَنا، لا بُدَّ من الاستِمساك بهُويَّتنا الإسلامية ولُغتنا العربية، وربطِ الأجيالِ بها، وفَطمِ أنفُسنا عن مراضِع العُجمةِ المَقيتة، وهَجر الألفاظ الأجنبيَّة اللَّقيطة، وأن نُقبِلَ على لغتِنا، وننأَى بها عن اللَّحن فيها.
كما أن اعتِزازَنا بلُغتنا الأمِّ لا يُنافِي حاجةَ الأمة إلى تعلُّم اللغاتِ الأخرى؛ لتحقيقِ رسالتِنا العالميَّة بلا نِدِّيَّة، ولا مُزاحمةٍ ولا انهزاميَّة، كما أن رسالةَ الإعلام ووسائل الدِّعاية والإعلان عظيمةٌ في هذا الشأنِ المُهمِّ.
يا فِتيةَ الضادِ! حان الوقتُ فاطَّرِحوا هذا الوَنَى وانهَضوا فالناسُ قد طارُوا
سِيــــروا علــــــــى نهجِ آباءٍ لكم سلَفوا فإنَّـهم فـي طريق المـجدِ قد سَـــــــارُوا
وإن العــــزمَ لا تثنِــــــــــيــــــــــهِ عـــــــادِيـــــــــــةٌ عـــن المُضِيِّ ولا يُطفِيـــــــه إعصــــــــــارُ
حفِظَ الله لغتَنا من كل مكروه، وحيَّا اللهُ أهلَها وذوِيها، وأبقاهم لها ذُخرًا يصُونون عِرضَها، ويحفَظون أرضَها، ويسترِدُّون قرضَها، ويجمَعون شتاتَها، ويُحيُون مواتَها، إنه جوادٌ كريمٌ.والحمد لله رب العالمين .
كتبه
د. صالح سعود السعود

ديسمبر 28th, 20141931

اكتب تعليق