أنتِ أنا ، وموت مرزوق
الكاتب : ناصر بن ناهي الشمري

– ضمير المتكلِّم ، لن يندم ، فهو مثل ضمير مرزوق عندما يصرخ :
– أين أنت ؟
– اقرأ ماذكرته بحقِّك ..
– باختصار كن جبليًّا بصدق .
– هي الذِّكريات مثل النُّجوم ، تظلُّ تنبض بهدوء ، ولاتختفي أبداً إلاَّ إذا طلع قرن الشَّمس الدَّامي الَّذي يحبُّه مرزوق .
– بما أنِّي مرزوق بن حامد الجبليٌّ ، وسبق أن ولدت في منتصف أغسطس لابدَّ أن أكون نادماً بحرقةٍ تشبه النَّار ، اسمي مرزوق ، ولم ارزق بحبٍّ ، ولاحظٍّ نظيف .
– النُّقطة المالحة تتدحرج من جبهتي إلى وسط بؤبؤ العين ، فأمسحها بحيرة وأقول :
– تردَّدت بكلِّ شيئ إلاَّ بهذه لم اتردَّد !!
– ماذا تقصد ؟
– لم نعد كما كنَّا .
– تحدِّثني بكامل أناقتها عند الباب ، إذا اكتمل قمر الحزن أمام عينيها ، تحرص على التَّجمل والأناقة ، طوق ، وأسورة ، فستان ناعم أحمر ، وروج عنَّابيُّ اللَّون ..
– لم أدرِ مالسَّبب ؟
– استمر الكحل مختلطاً بالدَّمع في هذه المدينة الخرساء  الَّتي لاقلب لها ولاعاطفة .
– له خطٌّ مرسوم معذَّب كحالتي ، مالح الطَّعم ، لمسة يدٍ بيضاء وبحنان ، ويهدر السَّيل بعصبيًّةٍ :
– أنا غاضبة لأنِّي قدَّمت روحي ، وجروحي لك ، تكسَّرت الجراح على الجراح لكنَّك نكأت جرحي هذا بالتَّحديد ، وانا ضامنة بأنَّه لايخرج حبي من حنايا قلبك .
– لماذا هتكت بيت العنكبوت ، وأحرجتني ، وجعلتني أمام نفسي ، وأولادي كالمغفَّلة ؟
– بعد ( لماذا ) اختلطت الدموع بيننا على محمل الجدِّ بلاتصنُّع .
– نفضة الجسد ، اليد المرتعشة ، الباب المغلق .
– أصبعها السَّبَّابة أمام شفتيها على هيئة علامة الجمع :
( لاتقل عبارة : أنتِ أنا ، وأنا أنتِ )
– صداع لم يسامحني بل تسرَّب إلى كتفي الأيمن ألماً لايطاق ، كفُّها المتعرِّق المرتعش تركته ، بإبهامي الخامس ، حاولت مسح دمعتها السَّوداء النَّازلة كحبَّة مطر على زجاج ، فأشاحت بوجهها الأحمر التُّفاحيِّ المحتقن .
– كلُّ الدُّموع تخرج من العينين إلاَّ هي من عين واحدة ، كأنَّها توفِّر دموع العين الثَّانية لمناسبة جارحة أخرى !!
– لا أستطيع أن أوقف ألمها ، فهذه طبيعتها منذ الأزل ، العشق ، والحقد بجنون .
– قالت بجنون وحقد معاً :
– ليتني أخفيتك مثلما أخفيت آثارك على وجهي بمساحيق المكياج ، أووف .. أنا مسحوقة ، وأنت السَّبب !!
– انتهت المقابلة ، وكانت بداية النِّهاية لسيطرتها المجنونة ، كورود الرَّبيع أرفض قطعها ، ولوكانت تقدَّم إليَّ كهديَّة .
– فتحت باب مركبتي ، وأنا ارقب وأفكِّر بنظرة الوداع بيني وبينها .
– استمتع بها قبل أن يجلدها الصَّيف بشمسه الَّلاهبة  ، فيحيلها لليباس والموت والضُّمور  .
–  النَّظرة الأخيرة لها ، ولخصرها الضَّامر كنبتة عذَّبها الجفاف ، خرجت مسرعاً بسيَّارتي إلى الجبال ، لونها البنِّي أثارني ، وطلحها الذي يشبه جوفي وعطشي .
– قلبها المجوَّف من العطش ، يرتمي في داخله نمل أسود نشيط ، يلاحق صمغها الحلو  .
– أخذت من يباسها أعواداً ، لايؤلمها مع النًّار ، أبربق شايٍّ ثقيل ، يعدِّل مزاج النَّدم .
– كلًّما زاد النَّدم عندي ، ذهبت للجبال أشكو لها حسرتي ، وتركي لها ، ولكحلها الذي يشبه جبلي المحبوب .
– شاهدني أبي ساهماً في مجلسه ، فقال بودٍّ ومحاسبة :
– لن اذهب معك ، فجرحها ليِّنا لازال ينزف .
– كان هذا رأي أمِّي ، و أبي ، وأخوتي أمَّا أنا ،  فعاتبني صاحبي علوان :
– أخطأت وتسرَّعت ، ودست على قلبها ، فقلب حياتك راساً على عقب .
– علوان :
– كنت سعيداً معها ، فرفضت أن تستمرَّ سعادتك ، وكأنَّك ساديًّا ، تعذِّب نفسك أوَّلاً ، وتعذِّب من يحبِّك ثانياً ..
– لم تعجبني ياعلوان ، ولاأريد أن أسمع المزيد من كلامك الذي يشبه الجبل في صلابته ولايشبهني ..
– ركبت سيَّارتي من جديد ذات الدَّفع الرُّباعيِّ ، اخترقت حصى الجبال الصَّغير عائداً إلى غرفتي الوحيدة حين دخلتها ، أطفأت النُّور على الرُّغم من كرهي للِّيل ، ارتميت على سريري ، فأصدرت مفاصله صوتاً ناشزاً كالعصافير الفجريَّة الَّتي تزعجني ، وتزعج نافذتي بصوتها الفجِّ .
– لم ينفع معها تخويف خيال المآتة الذي نصبته أمام النَّافذة شيئاً فشيئاً تمعن في استفزازي ، لذا وجدت الكثير من فضلاتها على قبَّعته البائسة .
– بعد غياب الشَّمس ، يشتعل قلبي سهراً ، وتشتعل هي تغريداُ يمنع عينيَّ من النَّوم فجراً ، لدرجة أنِّي أحذفها بحجر أو حجرين ، تطير منه خائفة عاتبة ثم تعود إذا أغلقت باب الغرفة بضجيجها المزعج .
– دائماً أجد سلوتي بمتابعة ضوء الشَّمس الَّذي ينساب من زوايا الشُّقوق مختلطاً بغبار يتحرَّك ويتطاير .
– سيموت بيديَّ هذا العصفور الَّذي يذكِّرني بخيبتي ، ليت صوته جميل حتَّى أستطيع النَّوم لكنَّه بشع يشبه نعيق الغربان .
– قبل نومي القليل ، كلُّ ليلة أفكِّر ، هل سأجد شخصاً غيرصديقيَّ (الجبل وعلوان) يتحدَّث معي حديثاً فضفاضاً أحتاجه ، و لاأندم بعده أبداً ؟!
– قبل أن انتهي من تفكيري تتَّصل الثَّانية :
– أين أنت؟
– ماذا تريدين ؟
– أطمئنُّ ..
– اطمئنِّ لست عندها !!
– صراخ مختلط ، واختناق ، تعودَّت على ذلك .
– رسالة مسج إليها تلخِّص كلَّ نهاية شجار :
– ( الباب يفوِّت جملاً ) .
– صمت مطبق للجوَّال ، كصمت القبور في ليلة لاقمر فيها .
–  تكلَّمت مع أحد أصدقائي بعد فيضان الكيل ثمَّ حصل سوء تفاهم بيني وبينه ، كاد يتوقَّف قلبي عندما وجدت تفاصيل الفضفضة منتشرة كرواية مختصرة في آذان زملاء العمل .
– لديَّ أمل غير صغير ، بأنَّ حياتي على كفِّ الشَّقاء .
– أصبحت أخاف من كلِّ صديق أو قرار ، ولوكان بسيطاً خشية من النَّدم .
– بعد أن وصل الكلام للرَّئيس ، قال آمراً  :
– يامرزوق ، مكان العمل لن أسمح فيه أن يكون مقهىً للمشاكل العائليَّة ، لأوَّل مرَّة يرتعش القلم بين أصابعي من ألم معدتي ،
– ثم قال بأبوِّة ليست مصطنعة :
– أسمع يابنيًّ :
– أخرج يامرزوق ، واصرخ وحدك في قلبِ الجبال ، قل لها : جرحك ، يجيبك الصَّدى ، ولاتقوله لإنسان .
– نصحني أبي ألاَّ اتكلَّم كثيراً من أجل أنثى :
– خير لك أن تبكي  بعيداً عن النَّاس بحيث لايرى أحد دمعتك .
– هراء .. هراء
– حبٌّ له ثمن ، مربوط بخيط المصلحة ، مسلوخ اليدين بل مسخ في نهايته ، جميل قبل الأولاد .
– أمعقول هذا ؟!
– نعم معقول !! فالنِّساء ياولدي ، تتذكَّر الجرح ، وتنسى الفرح ، قوارير ياولدي !!
– رسالة مؤلمة فحواها ، غيبوبة تصيب زوجتي الأولى ، عندما علمت بزواجي الفجائيِّ الثَّاني ، يتلوه غضب إخوتي وأبي وأمِّي وأبنائي حتَّى زملاء العمل علموا ، كيف علموا ، و من أخبرهم ؟!!
– الضَّمير الغائب الوفي ( هو )  ينعى السَّيد مرزوق حامد الجبليُّ :
– كان مرزوق في ذلك الصَّباح ممتلئاً همًّاوحزناً ، فتَّش بتثاقل جوَّاله المهتزَّ ، فوجد رسالة فحواها طيَّر النَّوم من عينيه ( رجاء اتَّصل .. الأمر خطير )
– لهاث متقطِّع ، ركوب السَّيَّارة ، سرعة جنونيَّة وخوف ، مواقف المستشفى .
– وقف مرزوق أمام الأسانسير ، كان مزدحماً ، لم يحتمل الانتظار ، صعد يركض إلى الطَّابق الثَّاني ، الثَّالث ، سؤال مكرَّر لكلِّ ممرِّضة تواجهه :
– أين العناية المركَّزة ؟
– وجدها ، هل يكتب لقاء لايعلمه معها ؟
– ستفيق من غيبوبتها حتماً عندما تحسُّ بأصابعه ، وهي تلمسها بعد قطيعة لأيَّام .
– مكتب الاستقبال الأنيق ممتلئ بعائلتها ، كلُّهم يبكون بانهيار ، لايرى أبناءه معهم .
– لبس الثَّوب الأزرق والكمًّامة المخصَّصة لغرفة العناية المركَّزة ، اقترب بتبلُّدٍ غريب بجانب سريرها ناداها :
–  حُبْ ؟
– كانت مميَّزة حتَّى في اسمها الغريب !!
– وجد الأجهزة في كلِّ مكان من جسدها .
– فمها مغلقٌ على خرطومٍ صغيرٍ أبيض ، يصل إلى أحشائها .
– ربت الطَّبيب على متنه ، وقال له بأسف بارد :
– البقيَّة في حياتك .
– لسانه ناشف ، وخفقان قلبه يذكِّره بموعد دخول الحبِّ الأوَّل عليه ، والذِّكريات الدَّافئة الجميلة .
– بلحظةٍ كالبرق الخاطف ، يضيق بها النَّفس والصَّدر .
– الطَّبيبُ منهمكٌ ومرهقٌ ، قال بسرعة :
– الإمضاء لوسمحت على هذه الورقة ، سننزع جهاز التَّنفُّس الاصطناعيِّ عنها ، لابدَّ من موافقتك .
– لم يتردَّد مرزوق هذه المرَّة ، انحنى عليها ، قبَّلها وضمَّها ..
– حُبٌّ وابنة سراب ..
– تنحنح الطَّبيب مذكِّراً .
– احمرَّت خدود الممرِّضة وأنفها .
– أمَّا هو ، فقد تحشرج حلقه خمس ثوانٍ ، ومات فوق جثمانها .

يوليو 16th, 2021176

اكتب تعليق