دور الجامعات في ترسيخ المواطنة
الكاتب : د / صالح السعود

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده ، وبعد :-
إن من أهم الواجبات التي ينبغي أن يؤديها كل مواطن إلى وطنه هي الولاء والانتماء لهذا الوطن،وما يدور من أحداث جسام ، تحتم على الجميع أفراداً وجماعات ومؤسسات تضافر الجهود لحماية وطننا من أي خطر متوقع أو منتظر ، وذلك بأن نكون صفاً واحداً خلف ولاة أمرنا ، بعداً عن الفرقة والتحزب ،وحتى نفوت على العدو فرصته ، في زرع جذور التنازع والشقاق ، قال تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) [ الأنفال : 46 ] وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه – ،أن رسول الله قال : ” أن الله يرضى لكم ثلاث ويكره لكم ثلاث ، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم ويكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال “.

ورابطة العقيدة هي التي تحقق الوحدة ، فهي رابطة عظمى ، وعروة وثقى ، لها مقتضياتها وواجباتها ، وتكاليفها وحقوقها الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله r ،رابطة تنكسر تحتها شوكة أهل البغي والعدوان ، وتندحر أمامها قوى الظلم والطغيان ، يقول تبارك وتعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) [ التوبة : 71 ] ويقول r: ” المؤمن مرآة المؤمن ، والمؤمن أخو المؤمن ، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه ” أبو داود . ومجتمعنا ووطننا له حقوق كثيرة ، فأمنه أمننا وخيره خيرنا ، فلنحرص على أرضه ومرافقه العامة ، ومنشآته.ولنحذر من ضعاف النفوس الذين يبثون الإشاعات المغرضة ، والأخبار الكاذبة ليوهنوا عزمنا ، ويفرقوا شملنا ، ولنحذر من المستهترين الذين يريدون أن يحققوا مصالح شخصية ومنافع غير شرعية على حساب الوطن والدين.وحب الوطن والتعلق به والحنين إليه أمر فطري، بل هو من الدين ،فهو مهد الطفولة، ومدرج الصبا، ومغنى الشباب، وسجل الذكريات، يعيش فيه الإنسان فيألف أرضه وسماءه، ويرتبط بسهوله وجباله وأشجاره وغدرانه، يألف حره وبرده وتقلباته، ويحس فيه بالسعادة الغامرة والأنس الجميل.
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكرت أوطانهم خطرت لهم عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا
فكل خير يجده الإنسان في ثرى وطنه، وكل نعمة ينعم الله بها عليه تعقد وشيجة ورباطاً زائداً بينه وبين ذلك الصقع من أرض الله، ولا ينسى الإنسان أن تلك الأرض هي التي احتضنته واكتنفته وهو أحوج ما يكون إلى ذلك قبل أن ينشئ أي علاقة أخرى مع أي مكان كان.ونحن نلاحظ أن هذا الحنين إلى الأوطان أمر في غريزة كثير من المخلوقات فهي تنجذب إلى مآلفها ومواطنها كلما فارقتها أو ابتعدت عنها، فحنين الإبل إلى مرابضها والأطيار إلى أوكارها ، كل ذلك من سنة الله.
والإسلام لا يتنكر للفطرة البشرية ولا يحارب الطباع الإنسانية، ولننظر كيف وقف رسول الله r يخاطب مكة بخطاب يُدمع العين ويجرح القلب بعد ما مكث بين أظهر أهلها ثلاث عشرة سنة يدعوهم لعبادة الله ونبذ الشرك، فناله منهم الإيذاء والتكذيب.ولما طفح الكيل وبلغ السيل الزبى وقرروا قتل النبي r في مؤامرة دار الندوة ، خرج رسول الله r من مكة، وودعها بكلمات تقطر رقة وحباً وحنيناً وإيمانا ، فقال: “والله إنك لأحب البقاع إلى الله وإنك لأحب البقاع إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت”.
وها نحن قد أكرمنا الله سبحانه وتعالى في وطننا هذا بأنواع النعم فأغدق علينا الرزق الحلال وجعل بلادنا آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، وهيأ لنا من أسباب الراحة والسعادة ما لا قبل لنا بشكره ولو صرفنا في ذلك العمر كله ،عمار وأمان وقرار، وقد امتن الله تعالى ببعض ذلك على قريش فقال U: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) [العنكبوت: 67] وإنها لمنة عظيمة أن يرزقك الله الأمن، كما خاطب الله المسلمين بعد بدر مذكراً لهم بما كانوا فيه في مكة:( وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) . بعد هذه المقدمة أقول إن واجب الجامعات يتمثل بـــ:-
أولاً : التأصيل العلمي لطلابها لمفهوم المواطنة الحقة،بأن المواطنة الحقة ليست ألفاظاً وشعارات دون عمل،بل هي سلوك يتمثل في الخلق الاسلامي الذي يدعو الى الوسطية بدون إفراط أو تفريط، تفرضه العقيدة الاسلامية،وهو الخلق الكفيل بتحصين الشباب ضد أى أفكار منحرفة أو دعاوى غير سوية0وأن المواطنة تقوم على أساس شعور كل مواطن بالولاء المطلق لوطنه والغيرة عليه والاستعداد للتضحية من أجله وعدم الخضوع لأي دعاوى تضليل تستهدف بث أفكار مضللة أو دعوات هدامة ،وإن من واجب كل مواطن تجريد انتمائه للوطن من أى غاية ذاتية أو مكسب شخصي
ثانياً : إعداد الشباب لدورهم في بناء الوطن بما يقتضيه هذا البناء من تضحيات .
ثالثاً : تهيئة المواطن لعمل ما يستطيع من نصح لوطنه وقيام بواجباته تجاهه من أجل حماية مكاسبه وصيانة خيراته ومقدراته، ويكون عيناً حارسة له من كل عدو ومتربص في الداخل أو الخارج، وإن ذلك – مع تقوى الله والشعور بنعمته – شكراً لهذه النعمة واستدامة لها بإذن الله، قال الله سبحانه: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) [إبراهيم: 7].
رابعاً : توجيه وسائل الاعلام في الفترة الأخيرة النظر الى تحول العالم الى قرية كونية صغيرة ، تتبادل خلال وسائل الاعلام الثقافات والأفكار بالإضافة الى دور الأسرة الذي اصبح أكثر خطورة في ظل هذه التطورات ،على أن تقوم الاسرة بدور هام يتصل بالمتابعة لما يتعرض له ابناؤها من رسائل إعلامية0
خامساً : الربط الدائم بين مجموعة المعارف والأفكار النظرية التي يتلقاها الطالب وبين مجتمعه بشكل عام والحرص بصفة مستمرة على تدعيم الجوانب الايجابية وتصحيح ما قد يظهر من نواح سلبية تجاه علاقة الطالب بالمجتمع.
سادساً : دفع النشىء والشباب للمشاركة في الحوار من أجل إعلاء قيم المواطنة وترسيخها وغرس مبادىء احترام فكر الغير وعدم المساس بكرامته، والاسلام يحث في هذا الاطار على المواطنة الصالحة والتعايش السلمى مع الآخرين.
أقول : الذي يجب علينا تجاه وطننا العزيز هو حبه وتقديم الغالي والرخيص في سبيل خدمته ورفعته ، والوقوف جماعة واحدة خلف ولاة أمرنا – وفقهم الله – فهذا أقل الحقوق التي نقدمها ، وولاؤنا له هو الوعي الصريح بمدى حبنا وانتمائنا للمملكة العربية السعودية0 والحمدلله رب العالمين .
كتبها
د / صالح بن سعود الســـعود
عضو هيئة التدريس بجامعة حائل

أكتوبر 12th, 20151494

اكتب تعليق