(ملف غُريِّب)
الكاتب : أ- ناصر بن ناهي الشمري

– القمرُ يتلألأُ كحجر مروٍ سُلِّط عليه الضوء بشكل لامعٍ برتقالي.
أمَّا هواء المدينة الحار ، فيلفح الوجه حتَّى في الليل لانوم
فقط السهر المميت الذي يهدم صحة غريِّب.

في الصباح أخذ( شماغه الملكي) وطاقيَّته ، وزيَّن بها رأسه المفلفل الأشهب ، ثيابه جميلةٌ كقلبه القروي.

اليوم مزاجه سيئ كعادته دائماً بعد أن ترك قريته البائسة ، في الصباح يشعر بالوحشة إذا رأى زحام وضوضاء الشوارع عندماتكتظ بالبشر الذاهبين لاعمالهم .
مراقب الشَّقَّة بكرشه الممتلئ (رزق الله) الثقيل وزناً وروحاً.
كلماته لاذعة وسخيفة..هات الأجار..المكيِّف شغَّال ، وإنت نازل..احرص على الأثاث..بهدوء يسبق العاصفة ، يتدحرج بجسده النحيل ، يمشي بعناد ، بعد ابتعاده عن كرسي حارس العمارة ، تذكَّر نصيحة أبيه وأمَّه: أهل المدينة أشرار لاتثق فيهم ..إنتبه منهم.

– حرَّك مسبحته التي اشتراها من بقالة الحي بخمسة ريالات كاملة.
ملفُّه باليمين والمسبحة بالشمال ، بدأت الشمس تنشر أشعتها اللاَّهبة
غُريِّب متعود على ذلك ، فقريته شمسها لاهبة ، وآمالها ذاهبة ، حبَّة
العرق اللَّزج المالحة تسلَّلت خلسة إلى إحدي عينيه مسحها ، وقال: هاها أنتم تحلمون كثيراً ، وتتركون لنا اليأس المطبق ، يكتم الأنفاس ، والغربة التي لامثيل لها.

وصل لمطعم به عمالة يمنية ، تعجبه دائما قراءة اللوحات أو عدِّ أعمدة الإنارة !
– يصرخ به كعادته إذا انتهى من طلبه..
– على هونك ياولد جاي بدون صراخ ..
– فول لو سمحت..
– كل الصراخ علشان فول..

– رمى عليه النقود بكبرياء القروي الساذج ، كأنه يقول : بعينيه – ذات الخطوط المتشابكة الحمراء – أنتم هكذا ياأهل المدن تعاملون القرويَّ بعنصريةٍ حمقاء.. بفوقية لكن أنا لها وأنا غُريِّب .

– يُحكى أن غُريِّب لأول مرة يكون شماغه بجهة ، وملفَّه بجهة أخرى. يُزاد على ذلك كدمة سوداء على جبينة ، انتهت المعركة مع عامل البوفيه الجبان.

– ذهب العامل إلى صارخٍ آخر ، ونسي الموضوع برمَّته.
أمَّا غُريِّب فلن ينس يوم أن بحث بدوائر كثيرة حتَّى وقف على دائرة لاقرار لها.

– أخذ يستعيد ذكريات المدينة البيضاء صاحبة القلب القاسي..
(اللَّعنة على الناس ، وعودهم سراب ، الألف التي أعطانيها والدي توشك على النَّفاد ، أمي تبكي ، أرقام جوالات معارف ، ينظرون اليَّ كمن ينظر إلى كلبٍ أجرب ! كأنني مهرج مع أني لاأعرف كيف أكون مضحكاً ، فأضحك الناس..؟)

– يرفع الملف العلاَّقي الأخضر صديقه أو صديق سلَّة المهملات بمعنى أدق..
-السلام عليكم..
-نعم !
-أوه رد بعصبية أكيد أخَّرته عن فوله الصباحي..
-مؤهلاتي..
– هاته.. يطعنة بيده البيضاء ، يخرج أحشاءه ثمَّ يرميه بأقرب درج عليه صدأ من أسفل ، وسواد من كثرة اللَّمس.
كلماته خالية من العاطفة( بعدين نتصل فيك.. روِّح)
إلى أين؟

قضم أظفره الإوسط عادةٌ لايتركها إذا توتَّرفي هذه اللحظة قطع توتُّره صوت شقيق لغربته الفظيعة ، يحمل ملفَّه الأخضر ترى (فانيلته) على شكل رقم سبعة بسبب ثوبه الأبيض الذي ترهَّل من كثرة غسله.
نظر إليه وكأنه يعرفه من زمن بعيد ثمَّ التفت إلى الموظف الحانق ، وقال :فيه وظايف.

سبتمبر 28th, 20161072

اكتب تعليق