مأساة علوان الأخيرة
الكاتب : أ - ناصر بن ناهي الشمري

– روائحُ البارودِ تقترب من أنف علوانُ قبل خروجِ ضبابِ الصحراءِ الأبيض ، أما علوان فإنه يتناولُ قهوته المعتادةَ كل صباح في بيته الطيني .
يلاعبُ بناتَه الصغارَ حول النَّار ، الفراش يزهو برقصته حتى لواحترق .
– زوجته أمُّ البناتِ كما كان يلقِّبها أبو علوان ، تطحن ُ الحبوب َ، وكأنَّها تطحنُ أحلامها الغضةَ.

– يتململُ علوان بشئ من الخوف..قال : أشمُّ الغدر و لاأعرفه ، رائحتهم كريهة ، سمعت عنهم الكثير لهم أشكال الإنسان ، وقلوب الذئاب ، قالت زوجته : سأكون قتيلة الخوف ، ماذا تقصد ؟ هل هم حولنا ؟ وماذا يريدون من عائلة فقيرة رأس مالها شويهات قليلة؟
وفحم يباع على قارعة الطريق !!
قال علوان : لا أدري كل ما أعلمه أنهم هجموا بتطرف على بيوتٍ بائسة ، وقتلوا أهلها.. حتى المسجد الطِّيني وإمامه لم يسلم من سكاكينهم .

– كيف نهرب والجنين بداخلي؟..أنسيت أني حامل ؟ قامت وقبّلت رأسه ، وقالت : نم الآن ، قد تكون كذبة ، لم تنتهِ من هذه الكلمة (كذبة) حتى سمع علوان أصوات مختلطة شديدة لاتفهم خارج البيت .
صاح بزوجته ، وأمرها بالخروج السريع من الباب الخارجي للنساء هي وبناتها والجد .
– رائحة الجثث اقتربت ، وأصوات الذئاب جائعة .
علوان قال بخوف : أسمع الأنين ..أنين ماذا ياقلبي الخائف؟
أنين الحزن غير أنين الموت ، إنما كان صوتاً منخفضاً يخرج من أعمقِ أعماق الروح عندما تمتلئُ بالرعب ِ.

– تصدَّى لهم علوان بعمود كبير ، ليشغلهم عن رحيل زوجته وبناته وأبيه .
– رحلتْ زوجة علوان كما مات علوان سيموت غيره في المجزرة .
– الوداع ياعلوان صوتك مازلت أسمعه..استغاثتك ..صراخك اهربوا ..
أنفاسك قريبة من أنفاسي ..يكفيني عمري ومافات منه .
وصيَّتي البنات وأبي..
كنت أتمنى أن تكون بجانبي أتحسَّسك فبل أن أودِّعك ، ولكنَّك ميِّت ، تركتني وحيدة مع بناتك الصغار وأبيك .

– صوتَ الطلقاتِ المجنونة البعيدةِ تسمعها وهي تركض تخاف ، وتعدو في الرمالِ الصفراءِ المشعَّةِ ، تهبطُ وتنزلُ على غير هدى .

– تهمس بينها وبين نفسها ، كيف سيتحمل تلك الساعات حتى تحين اللحظة ؟! لكن لاعليك ، فالله موجود ، ولن يترك هؤلاء القتلة..لست مضطرة لأن أقف . هذا يكفي . ليتني سمعت منه بضع كلمات فقط بضع كلمات .

– ليس أمامي خيار آخر ، سيأتي القتلة في أثري ، وينتهي أمري .
– تسكِّت بناتها الصّغار الثلاث ، في هذه الرحلة عمَّت جميع القرية أصوات البنادق الغادرة التي لاترحم القادمين عليها .

– ازدادت الحيرة في عينها ، وخاطبت شهداء قريتها الأبرار : ياقريتي المسكينة ، يرحم الله علوان ، وموتى المسلمين ثمَّ تخفي وجهها وتئن بشكل متقطع حزين .
تذكرت علون البسيط صاحب تجارة الفحم التي لاتكاد تكفي أود عائلته..
قتلوك ياعلوان ..ماذا يريدون من تاجر بسيط؟
نصحته دائماً دعنا نترك هذه القرية لكنَّه يضحك مازحاً ، ويقول : يبدو أن حياتنا تميل إلى السواد من الفحم ، بعد أن يبعد خصلة الشعر عن وجهي .
دمعة سؤال تنزل على خدها..ربَّما نجح بالهروب !!
ردَّ عليها أبو علوان يغالب دموع اارجال : ياابنتي تعبت من الهروب ، قدر الله نافذ علينا ، لاحيلة لنا في ذلك .
قدماي لم تعد تملك القدرة على المسير .
آه ياعلوان ..
الشيخ يبكي على علوان ..ترفع يدها وتلوِّح تودِّعه كما ودَّعت ابنه الوحيد .
ينظر لها الشيخ ، وينام مستسلماً لمصيره القادم .
إمَّا هي فقد تابعت سيرها بإتجاه غروب الشمس .
سقط الجنين شهيداً لايحتمل فجوة صغيرة في جوف الأرض .
قالت وهي تنظر إليه برجاءٍ أموميٍّ غريب : في سبيل الله مالقيت من الظلم والعذاب قبل أن تولد ، وتنفخ فيك الروح .
تبكي وهي تمسح رأس الجنين المتخلِّق وجسده الإحمر بطرف ثوبها .
قطعتِ السُّرَّة ، واسندته برفقٍ في شقٍّ حفرته
بيديها ياقلبها المتفطِّر على هذا الجنين .
النشيج يعلو من إخواته ، فتنهرهنَّ ، تقول : دائماً أسقي الأرض حتى تأكل بناتي وشويهاتي البسيطة أمَّا الآن أسقيها يأساً ودموعاً حمراء .
قبل إن تكمل سيرها ، رأت وردة بيضاء جميلة ، شاحبة الأوراق قليلاً في هذه الأرض القاحلة منزوعة الجذور .
أعادتها لمكانها ، وسقتها بدموعها حتى لاتموت..
ضمَّت بناتها بصمت ، وأخذتهن نحو الشمس المشرقة عليهن من بعيد .

أكتوبر 18th, 20161198

اكتب تعليق