(هكذا حلم سعيد..ومات)
الكاتب : أ - ناصر بن ناهي الشمري

مدخل :
الحلم عنوان الحياة ..حتى لو انتهى في لحظته .
الحياة جميلة خاصة إذا أوشكت على فقدها!!
****************************
– سأشتريه!! هكذا قالها بملء فيه..الموظف بالبلدية على مرتبة متأخرة .
– منلوج داخلي : في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ أطفاله للمدرسة ، يفكِّر كيف تشتغل السيارة بالدَّفع أو بالإشراك ؟!
– ودَّعته زوجته أمام باب الشُّقَّة ، وهي خائفة عليه ، قالت : البارحة حلمت ياسعيد بغراب أسود يطرق النَّافذة ، ويموت .
– لاتسرع ياسعيد .
– أرسل رسالة إن دخل إطفالي إلى المدرسة .
– قبل أن يخرج مسرعاً مع أطفاله للمدرسة ، من حظِّه وسعده ، ساعده جاره بدفع سيَّارته السُّوداء حتى استيقظت البطارية .
– قال جاره ، وهو يغلق باب السَّياَّرة : إلى متى ياسعيد ماتشتري سيارة ؟ كل يوم مدافعة ، بعها لوتشليح .
– لم يرد عليه سعيد ، واندفع إلى المدرسة ، دخل أطفاله إلى المدرسة بينهم طفل صغير يبكي بالصف الأول ابتدائي..
– وصل إلى مكتبه ، مسمَّى وظيفته كاتب .

– اليوم بعد صلاة العصر سأشتريه حتماً .
– سألقم حجراً لكل من قال : صدَّعت رؤوسنا بجوالك ، ماحصل تشريه لك شهور.
– من يمنعني ؟ والرزق على الله .
– أخذ يمزق شفته السُّفلى اليابسة البيضاء من التُّوتر..بأصبعيه السَّبَّابة والإبهام..
– كان يفكِّر ، ولايخفي هذا التَّفكير حتَّى على البعيد عنه .
– يضطر أحياناً إلى الكلام مع أيِّ شخص يراه ، أمام مخبز ، أمام طاولة صيدلي أيَّ أحد !!
– أفكاره تشبه سلاسل حديدية وسط تيَّار ماء هائج .
– يكلِّم نفسه بصوت ضعيف .
– هذه المرَّة رفع صوته حتى سمعه زميله في المكتب .
– قال له: راح تنفِّس ياسعيد.. بعدين اترك الجوالات كلْ سنة جوَّال جديد مايفرق عن اللِّي قبله..
– رد عليه سعيد بغضب : لوالتهيت أحسن..
– همس بحزن وندم : لماذا أخبر الناس بأموري الخاصَّة ، وأحلامي المستحيلة ؟

– سعيد بكسر العين ومدِّ الياء.. رجل حالم خيالي ، ماإن يرى شخصاً يحمل جوَّال ( آيفون سبعة) حتى يلعن حظه ، ويغرق بأحلام اليقظة .
– يتساءل لماذا لا أملك مثله ؟
– تكثر (لماذا) حتى تتضخَّم في رأسه ، ويبدأ بالتَّمتمة ، وتحريك يديه .
– هو من موظفي البلدية ، وعلى خلق عظيم .
– يحبه زملاءه لكن مشكلته أنه يكلِّم نفسه دائما ، ويحلم بجوَّال (آيفون سبعة ) حتى لو رهن راتبه آخر كل شهر ..
– مايضر 500 ريال قسط كل شهر ..ليش لا ..وش فرقي عن إسماعيل وحسين (زملاؤه في المكتب)..
– يقطع كلامه الهامس أوراق النَّسخ على الكمبيوتر .
– اليد المنمَّشة يعرفها ، دورك ياسعيد ، اخلص ، واترك تحريك يدك بالهواء والتَّمتمة ..(مديره)
– حاضر طال عمرك .
– مدير ثقيل الله ينقلنا عنه .
– انتهى من النَّسخ ، وأخذ يستغل انترنت البلدية رغم المنع من ذلك .

– بعد النَّسخ كل يوم يبحث عن صور ، وأشكال (الآيفون سبعة ).
– يركِّز على اللَّون والثَّمن ، كلُّ يوم من أيام الوظيفة ماعدا الخميس و الجمعة لصعوبة شراء شريحة انترنت ..ميزانية الراتب لاتكفي..
– أرعبه اتصال مفاجئ من زوجته (أم غراب) لقب جديد من سعيد بعد الحلم المقصوص عليه .
– ذهب إلى المدرسة ، وعاد بالأولاد منهكين إلى الشُّقَّة .
– بقي أن أقول لكم ..كل الوسوسة( بالآيفون سبعة) من صديقه الثري بالاستراحة..
– أنا مايبطي عندي الجوَّال .
– ثلاثة أسابيع أملُّه ..أشتري غيره .(صديق الاستراحة الثَّري )

– خرج سعيد من الاستراحة ، وهو مهموم جلس ، وأسند اليد والرَّأس على مقود السَّيَّارة البُّنِّي ، وتمتم ساخراً : هذا البدين الغبي ، ماينتظر عنده الجوَّال أسبوع ، وأنا أحلم ستَّة أشهر (بالآيفون) هيِّن شاريه شاريه.. (جزء من التَّمتمة بصوت عالٍ هذه المرَّة..)
– أحسَّ بألم في صدره من جهة اليسار .
– في يوم من أيام عمله الروتيني الممل ، وهو منشغل بالنَّسخ على الكمبيوتر ، وقف على رأسه إسماعيل صديقه ، وقال : الصَّديق عند الضِّيق.. أدري ودَّك( بالآيفون سبعة) ، لذا تسلَّفت المبلغ ، خذ .
– قام سعيد ، وقبَّل رأس زميله ، وانسلَّ بهدوء..
– إسماعيل : النَّسخ.. وين رايح ؟
– ضحك لأول مرَّة في حياته ، وأشرق وجهه ، قال : كمِّل
معروفك..
– نظر إليه إسماعيل مندهشاً ، وابتسم .

– بسرعة البرق ذهب إلى أقرب محل جوَّالات (محل السَّعادة لبيع واستبدال وإصلاح الجوَّالات)..
اقترب من السُّوداني خائفا ألاَّ يجد (آيفون سبعة).
– موجود عندك ( آيفون سبعة) ، وترى أبيه ذهبي..
– السُّوداني يهز رأسه : للأسف انتهى( الآيفون سبعة) من المحل ، لوتصبر نستدعي مندوب الشَّركة ..
– كيف أصبر ؟ أنا لي ستَّة أشهر ، وأنا انتظر .
– خرج بعصبيَّة من المحل ، ركب سيَّارته السُّوداء ذات الموديل القديم ، وانطلق بسرعة شديدة حتى وصل إلى محلٍّ آخر به موظَّف مصري .
– ذهب سعيد إليه ، وقال بتردُّد : عندك (إيفون سبعة أو لا)
– تفضَّل ياباشا ..مالك.. كل المحل تحت أمرك.. موجود لاتخاف .
– تنفَّس الصُّعداء سعيد ..
– تفضَّل كرتون الجوَّال بعدتجربته أمام سعيد..
– ضمَّه إلى صدره ، وخرج .
– النُّقود ياسيدي ..آسف نسيت من الفرحة .
– قبل أن يصل إلى مخرج الطريق الذي يسير فيه ذاهباً إلى زوجته ليبشرها بحصوله على الجوَّال ، قلبه ممتلئ بالشَّوق ..كرتون الجوَّال عن يمينه ، يشاهده كل مرَّة ، كأنَّه يخاف أن يسرق منه ..
– وقع له حادث شنيع بسبب شاب متهوِّر يستعرض أمام المارَّة ، فانقلبت سيَّارته عند ارتطامها بالرَّصيف .
– انقلبت أحلامه عند ارتطامها باليأس ، وتوفِّي على الفور..
– في مكان الحادث حضر إسماعيل ، وبحث عن الجوَّال لم يجده ..
– في اليوم التَّالي للحادث ، ذهب إلى المستشفى لعلَّه يجد الجوَّال ، فلم يجده أيضاً..
(عذراً ياسادة انتهت القصَّة ، وانتهى المنلوج الداخلي لبطل القصة..ربَّما يعود سعيد ..وربَّما أعود أنا )

نوفمبر 2nd, 20161672

اكتب تعليق