قصص قصيرة جداً
الكاتب : أ - ناصر ناهي الشمري

             
                      ١- (رثاء  زوجة لم تمت !!)
     حرَّكت خاتمها المتربِّع على السَّبَّابة ..
قالت : من زمان لم أرَ منك هديَّة ، وأنت أبو الذَّوق..
اللَّيل موحش حزين ، وأناأكتب لها رسالة الوداع .
سأسلمها بعد سبع سنين !!
قال لها في هذه اللَّيلة التي تبكي بها النُّجوم : هراء سأعطيك قصيدة بدل الهديَّة ..
بيدها المنتفخة أشاحت ، ورمت الخاتم المسحور ،  علامة على الاعتراض المؤدَّب ..مازلت أذكر جلستها المميَّزة ..بحيث يكون باطن الرجل يواجه مضيِّفها !!
       
                     ٢- (الفقير في حصَّة الرِّياضة)
      دخل مدرِّس الرِّياضة البدين والثَّري ..كنَّا نضحك عليه إذا خرجت طرف المؤخرة  لكنَّه خبيث سرعان مايتدارك سرواله الرِّياضي يرفعه إلى أعلى ، كان اللَّون الأحمر لونه المفضَّل ..ضحكته تقف على هرم التَّشفِّي ..خاصَّة إذا وجد مطلوبه بفصلنا البائس..
محلاَّته التِّجاريَّة تغزو نصف أحياء  مدينتي الرَّاقية .
أصابعه غليظة ، وهي تمسك بخيزرانته اللَّينة ، (هاه من الَّذي لم يأتِ  بلباسِ الرِّياضة؟!!)
قمْ ..قمْ.. قمْ.. إلخ
(آه أدري والله كالعادة قمْ يالفقري..)هذه أخفُّ الشَّتائم والشَّماتة..
بسرعة شديدة يرفع يده السَّمراء النَّحيفة ، بعدها يتلوَّى على الأرض ثم على الكرسي المنخور من وسطه يخفي رأسه ، و يكمل طقوس البكاء  بعد مسح دموعه بطرف كمِّه ، يمسك بأرجل الطَّاولة الباردة لعلَّها تخفِّف من حرارة الكفَّين …
                   
                        ٣- (شاعر الظِّل )
        ينتظر الاتصال على أحرِّ من الجمر لكنَّه لم يتصل..
هل القصيدة لم تعجبه ، أو السِّعر ؟!
أخذ كوب الشَّاي ، وامتصَّ الباقي منه ، كان مرًّا مثل حياته الخاوية ، وفقره الدَّائم ، فمن بيع القصائد يتحصَّل على رزقه..
حاول أن ينام لم يستطع ..
ذهب إلى كرسيِّة الهزَّاز بجانب طاولة الهاتف ، وانتظر..
هذه المرَّة طرق الباب زميله الشَّاعر .
 فتح الباب له بسرعة ورجع إلى مكانه ، قال له : اخدم نفسك بنفسك ، الشَّاي والسُّكر والماء المغلي جاهز .
لاأريد شيئًا أنا وسيط وحاسد..
لماذا ؟!
لدي عرض لك من تاجر المدينة المشهور ..
كم نسبتك ؟
أنت وكرمك ، أسمع العرض أولا..
إسمع : كل قصيدة – بأي غرض من أغراض الشِّعر – بعشرة آلاف ريال ..
يعني عشر قصائد بمئة ألف ريال..لاأصدِّق ..
المهم لاتنس نسبتي ..
أخرج الآن ..والشاي  بعدين ..اللَّيل طويل ، والشَّاي يساعد صاحبك على الكتابة ..وراء الباب يصرخ زميل المهنة ..لاتنس النِّسبة .
تعرَّقت يده من الفرحة لدرجة أن قلبه ينبض بشدَّة .
تهاوى على الكرسي شاعرًا بحموضة شديدة تصعد إلى حنجرته ..
في اليوم التالي استقبل زميله المعزِّين وهو يقول : شاعر مفلِّق بس نصَّاب .
 حسافة مات من الفرحة !!
                              
                          ٤- (ذاكرة جدِّتي )
        عندما أزور جدَّتي في بيتها الطِّيني المزركش باللَّون الأبيض على حوافِّه في أوَّل الحارة .
 أتحمَّس كثيرًا لقصصها القديمة .
جدَّتي لم تترك البيت بل تعتبر من يترك بيته ، فكأنما بيبع عرضه في سوق النُّخاسة..
أرادت أن تقوم مرحِّبة بي لولا قسمي عليها..قبَّلت رأسها المخضوب بالحنَّاء .
جلست أنتظر قصَّتها الأولى..والثَّانية.. والثَّالثة..
بعدما انتهت من السَّرد الرَّائع ، والوصف الدَّقيق لكل قصصها .
أخرجت سكِّينًا ، وقطعت أصابعي كلَّها !!
لكن لماذا ياجدَّتي ؟!!
قالت ، وهي تكحُّ من أثر غبار الحفرة : أرغب بزراعتها حتى أرزق بأبناء مثلك !!
    
                       ٥ – (الفراشات تحترق )
        بداية : حصار العواطف أشدُّ من حصار الثَّلج في ليل الشِّتاء . فلسفة عاشق ولهان .
القرآءة حياته يتنفسها خاصَّة القصص والروايات .
النظَّارة الطِّبِّية على أرنبة أنفه ، وهومنهمك بالقرآءة يهتاج أحياناً ، وتمتلئ عينيه بالدُّموع ..
تزوَّج ثلاث نساء كلُّهن طالبن بالطَّلاق ..
– قالت الزَّوجة الأولى ياسيِّدي القاضي : كلامه صمت .
– قالت الزوجة الثَّانية ياسيِّدي القاضي : يقدِّس الكتب .
– قالت الزَّوجة الثَّالثة ياسيِّدي القاضي : مهووس بالقرآءة .
له هواية غريبة بغرابة أطواره مع نسائه .
نهاية : يخرج كل ليلة إلى البريَّة وحده ، ويجمع كلَّ الفراشات التي ترقص حوله .
يضرم النَّار – بحماسة البدويِّ الكريم عندما ينتشي بحضورضيوفه – يأخذ من الكيس : فراشة ..فراشة ، يقذفها وسط النَّار ، وهو يصرخ بنشوة : تحبُّني ..لاتحبُّني..تحبُّني..لاتحبُّني .

فبراير 16th, 20171385

اكتب تعليق