هروب ٌ من أجل ِ هذا الحب
الكاتب : أ - ناصر بن ناهي الغيثي

 
                                       (1 )
     – كسرقلمه بعصبية بعد أن كتب آخر قصائده الشعبية .
  في غرفته ذات الجدران السوداء حتى الأشجار تقف صامتة أمام نافذة الغرفة المستأجرة ، قال : متى الخلاص ؟
شاعر وهارب تظن أنك تحب أولادك ، وزوجتك ، فلماذا تهرب ؟
قال له صديقه هذا الكلام ، وهو يشرب من براده الأبيض .
سعل بشدة ثم ابتلع بلغمه ، وقال : جالس تمصمص شايك وشيشتك ، وأنت تعرف أني لااحترم المدخن فضلا عن المشيش .
– لاتضيع الموضوع..
– أصلا ضائع من يجلس معك .
– أمرك عجيب إن نصحت ماعجبت ، وإن سكت ماعجبت ..
      – قام الهارب ، وقبل قيامه حذف قطة كانت تسير بجانبه بحصاة .
– صرخت القطة وولت هاربة .
– ضحك زميله على موقفه اللا معروف .
– لن أذهب إلى غرفتي وأحلامها المزعجة ..
جدران سوداء وهلاوس ليلية لا يوقفها إلا اتصالي على زوجتي اطمئن  على أولادي ..
مازلت أذكر هاتف صديقي في نفسي أو ذاتي :
كيف تدعي حبهم ، وتهرب منهم ؟
هل السبب محبتهم ، وخوفي أن تحترق صورتي في أذهانهم ؟!
    – تذكرت قصصا قديمة كانت أمي ترويها لنا نحن الصغار قبل النوم متسببة لنا تبولا لاإراديا من الخوف ..
فهمنا سببه عند الكبر ..
      – كان في الزمن القديم رجل شاعر مرهف الإحساس ، ولكنه يخاف على أولاده الصغار الثلاثة من الموت .
– عالج نفسه كثيرا عند الأطباء فزادت الدوامة والمتاهة كثيرا .
– حجز عند أشهر الرقاة الصالحين والمزيفين لم تنته حكاية هذا الخائف .
لافائدة ترجى ولا أمنية تحققت .
       في يوم من أيامه النحسة أحس بضيق فظيع ، ورفرفة في عينه ، فأحذ يتمشى على قدميه يمر على بقالة العم سعد اليمني الذي يبيع بالآجل لأهل الحي ..المقهى الكريه ورائحة الدخان ..نيون.. إشارات بأضوائها الثلاثة على عدد أبنائه .
– اشتد عليه الإحساس حتى وصل إلى حديقة الحي القديمة بأرصفتها  وأبوابها المخلعة ، وخزانها الطويل بلا ماء ، علاوة على دورة مياهها العفنة .
        -اختار أحد المقاعد ، وجلس يعد نجوم الليل الكثيرة .
الثآليل لم تنتشر وهو يعد النجوم ، الغريب أنهاكانت ليلة صافية تشع منها النجوم بشكل متوهج ..نم يسقيك الغزيل ، لم نر غزيل ولا ماء..
أعرفك أنت ..
      -التفت إلى صاحب الصوت ، وهو خائف قليلا ..آه ياعم أخفتني ..لاعليك أجلس بجانبي ..
عم زيدان حارس حديقة الحي الباسم  رغم الظروف السيئة  ، وولائم العيد ، والزيارات المتقطعة عند العزاء تزداد مع مرور الأيام .
أمسك بيد عم زيدان لاداعي للشاي اجلس معي فقط .
كيف الحال ؟
على حالها ..كوابيس ..تقاطيع ..وأشعار حزينة آخر الليالي وو..
قاطعه عم زيدان ، وهو يكح بقبضة اليد المنمشة بنقط سوداء :
أنا عندك مات أبنائي الثلاثة ، ورفضت أن أتقاعد من عملي ، ولم ينفعني خوفي عليهم ولا إهمالي ..يمتلئ وقتي بحديقتي أنظف وأكنس أرضها ووو..ثرثرة عم زيدان لن تنته إلا قبل أذان الفجر ..
المسكين يظن أنه بعمل من أجل أبنائه الموتى أصلا..
– عاد إلى غرفته ، وهو يفكر بنصيحة حارس الحديقة .
يقال بأن الهارب ذهب في ليلة من الليالي إلى بيت أبنائه وأحرق البيت  كله !!
– أبلغ الجيران الدفاع المدني والشرطة لأن الهارب كان يصرخ من شدة الهستيريا ، قال وهو يعظ شفته السفلى : لحظة.. دقيقة..      أنا أفضل إنسان يعشق وبجنون أولاده ..لم أعد أستطيع تحمل الحب وحدي !!
                                          (2 ) 
أول لقاء أوحوار مع الطبيب :
أنت شاعر ومثقف تحب الكتابة بالنهار ، وتكره الليل ، تحرق بيتك
عشقا بأولادك..
كيف ؟
      أدار جهاز التسجيل واستمع..
اعتدل على سرير الطبيب النفسي المرتفع من جهة الرأس ، وأخذ يسرد حياته الماضية بشي من الإيجاز ..
-اسمي : هارب من الليل..
-العمل أو المهنة : كاتب شاعر حالم بالعدالة ..
-الاسباب : هذه رسالة لكل  من ارغمنا على الكتابة والكآبة والحب اليوم حب وغدا أمر ، ضيعوني صغيرا وحملوني حبهم كبيرا..
       – عند حديثه للطبيب ، يفرك عينيه كثيرا كأنه يشاهد حلما مرعبا يريد طرده..
– قال الطبيب همسا : بماذا يمكن أن يخبرنا هذا المريض ، وكيف أصدق مجنونا ؟!
      – نعم هروبي من البيت كهروب سقراط من الناس ملتحفا قطعة قماش فضفاضة .
أين ذهب ذلك الفيلسوف الحافي القدمين؟
      – أغلق الطبيب جهاز التسجيل ، وتثاءب بصوت عال
أنزل الجهاز على الطاولة ، واستغل نوم المريض على سريره .
شك ذراعه بإبرة مخدر أصفر اللون حتى إذا قام يعود للنوم مجددا
لكن في غرفة عنبر المجانين هذه المرة..
                                          (3)
       – في صباح اليوم التالي استلم مدير العنبر تقريرا عن حالة هارب .
       – قرأها ببرود وفرح آخر التقرير : ملاحظة : وجد هارب منتحرا بأحد شراشف السرير .
       – بيده الرقيقة لمس جرس المكتب ، فحضر نائبه : سم طال عمرك .
تعرف الإجراءات ..أكمل الباقي ، واتصل على المستشفى بسرعة .

 

 
 

فبراير 26th, 20171517

اكتب تعليق