(الفرَّاش وثوب العيد)
الكاتب : ناصر بن ناهي الشمري

(1)
– كان يشمُّ رائحة قهوته الصَّفراء المزعفرة ، ويتذوَّق شايه الأحمر كدم الغزال (هذا مايقوله زبائنه) ويتباهى بهم .
– مكانه على زاوية الرَّصيف ، يسمع همهمات النَّاس الرَّائحة والغادية .
– أحياناً يصمت من صلاة العصر وشمسه الحارقة حتَّى انكسارها ، لايدري لماذا يصمت ؟!
– الآن أصبح فرَّاشاً لمدرسة ابتدائيَّة ، شابَّاً نشيطاً يحدوه الأمل ، ويعشق التَّفاؤل .
– لم تسعفه الظروف لإكمال دراسته العمُّ فرَّاش لقبه بالرغم من أنه شابٌّ له اسم ، ولكن من كثرة مناداته بالفرَّاش ثبت اللَّقب من غير قصد .
– في ليلة من اللَّيالي ، وهو ينظِّف سريره الأرضي بغرفته ، لم يستطع النَّوم بسبب خبر تسرَّب إلى مسامعه عن عزم مجموعة من المعلِّمين ( تأسيس جمعية شهريَّة تعاونيَّة )
– صوت المروحة المائلة ، تصدر صوتاً مزعجاً ، رأسه مشحون بالأسئلة الكثيرة اختار منها سؤالاً واحداً :
– ياترى هل يوافقون ؟
– هل أستطيع شراء ثوب العيد لابني ، وتسديد أجار الشُّقَّة ؟
– ضبابيٌ ليله ، للهروب من توتُّره ذهب إلى كل غرف الفصول ..ممرَّاته ..نوافذه ، يتحسَّسها بيده لابد أن يرضي المدير وإلاَّ لن يسمح بدخوله بالجمعيَّة .
– عاد إلى غرفته لانوم ولا أمل يبحر به في هذه اللَّيلة فقط .
(إلى عدَّة الشغل إذن ، انتصف الليل ..أباريقه اليتيمة ، ودلاله الصَّفراء العتيقة ، لعلَّها تشغل وقته أو يحلُّ التَّعب ببدنه ، فينام قبل صلاة الفجر .
– أغلق عينيه ، وتخيَّل الآتي :
– حلم بسوق جميل يمشي فيه مع زوجته الجميلة وابنه الجميل .
– حلم بذهب يشتريه لزوجته ، فتحرجه بضحكتها البريئة .
– حلم بثوب العيد وفرحة ابنه الذي سخر منه زملائه مراراً .
– انتظرني يابنيَّ أعلم أنِّي قصَّرت معك ، والعيد على الأبواب .
– ابتسم نائماً ثم انتبه على طرق الطُّلاَّب للباب الكبير .
– انتشرالطُّلاَّب..المعلمون…الإداريُّون .
الرُّوتين الممل ثمَّ دخول الطُّلاَّب للفصول ، – هو واقف عند باب المدير ، دلَّته بكفِّه الأيسر ، وفناجينه النَّظيفة بالأيمن ..
– صباح الخير .
– صباح الورد .
الفنجان الثَّالث هزَّه ، فتوقف عن الصَّب ، وتسَّمَّر بمكانه .
– وقف بالقرب منه ، لم يذهب كعادته إلى غرفة جلوس المعلِّمين ليمارس طقوسه الصَّباحيَّة .
– خير يافرَّاش .
– (سلامتك طويل العمر ، ماأدري الجمعيَّة ، ودِّي بالدُّخول معكم ، واستلمها أوَّل واحد !!)
اتسعت عينا المدير عن آخرهما ، وهو يشاهد شاشة الكمبيوتر .
– تفاجأ بالصَّمت . .اقترب من المحمول ، فشاهد خطوط حمراء وخضراء .
– قبَّل راسه فانتبه ، خير يافرَّاش .
– (بوجهك الخير الجمعيَّة وش صار عليها)
– (والله عزيز وغالي لكن المعلِّّمين لم يقبلوا بدخولك معهم ، فكيف تستلمها أوَّل واحد ؟! المعذرة..)
– لماذا ؟ أنا التزم بالمبلغ كلَّ شهر كما أنَّ قهوتي تعجب المعلِّمين ، ونكتي كذلك ، وحديثي العذب .
الباب يدقُّ ، دخل مدرِّس كريه الوجه ، بذئ اللِّسان .
– جلس قبالة الفرَّاش .
– طلب فنجاناً ، وأخذ يتابع جوَّاله منتظراً خروجه من المكتب .
– قال له بأمل : (رأيك ياأبو الشَّباب أنا وو..
– قاطعه بسخف : رأيِّي أنَّك تعدَّيت حدَّك !! قال يدخل معنا ، قال !!)
– كان وجه الفرَّاش أشبه بعصفور بلله المطر ، وضاع عن عشِّه .
– أنزل الدَّلة والفناجين على طاولة زجاجيِّة مشعورة من الوسط ، وخرج بعيداً جهة سيَّارته .

( 2)
نقلته بصمت إلى حيِّه القديم به شقَّة بائسة ينتظر مالكها الفرج .
بها أثاث مستعمل ، وزوجة صابرة تغسل ثياب الجيران بأجر زهيد يساعد على كلِّ حال .
– سمعت الباب يفتح ، فنادته بخوفها المعتاد :
خير ..
– استقبلته بيأسها ، وقالت :
(استأذنت ماهي عادتك مريض )
– رفضوا دخولي معهم !!
– لماذا ؟!
– لا أعلم كلُّ ماأعلمه أنِّي فرَّاش .
– أتحمَّل أوامرهم ومزاحهم الثَّقيل حتَّى اسمي نسيته معهم !!
– يعني لاسوق ولاثوب عيد .
– نعم ، لاسوق ولا ثوب عيد .
– بكت معه ، فقال : أحسُّ بوجع في قلبي ، ويأس يكسر أملي .
(3)
– مات الثَّلاثة فوق خشبة المسرح ، واسدل السِّتار على هذا المشهد الكئيب .
****************************
همسة حائرة : ثالثهم أنا !! الولد مشغول بحديثه مع زملائه عن السُّوق ، وثوبه الموعود به كعادة الأطفال إذا وعدوا .

أغسطس 17th, 20171436

اكتب تعليق