خريف ٌصامت ٌ
الكاتب : ناصر ناهي الشمري

ورقةأولى
(نصيحة )
– مستقبله يشغلُه ، ومدرسته كذلك .
– قبلَ قيلولتهِ لابدَّ من عادتهِ المحبَّبِةِ لنفسه .
– يطعم قطَّته ، يسقي فسائل النَّخلِ الجاثمة خارج غرفتهِ ، ويعود منتصراً إلى سريرهِ .
– أجملُ حكمةٍ يقرأها ، وكرَّرها لأصحابهِ حتَّى ملُّوا منها .
قال صامتُ الشَّمِّري : (كن كالنَّخل يحذف بالحجرِ ، ويعطيك الثَّمر )
– همَّ بالقيامِ من السَّريرِ لكن أمله بالمطر والغيوم مازال قائماً..
– ستائرُ غرفتهِ السَّوداءِ المرفوعةِ أمامَهُ فوقَ جهازِ التِّلفازِ تثيرُ استغرابَه .. حزنَهُ.. ملله بل وتملأُ روحَ صامتِ الشَّمري بالسَّواد ..
– اختارها لتساعدهُ على النَّومِ ، ويبدو أنَّها طبعت اسلوبَ كلامهِ ليقوم بصورةٍ آليَّةٍ ، ويفتحُ بابَ غرفتهِ .
– هتفَ بينه وبين نفسهِ : ستتحرَّكُ السَّتائرُ السَّوداءُ..
– مازالت الذِّكرياتُ في قلبهِ لولا هجومُ صديقهِ القديمِ أحياناً يضعُ يدهُ على كتفهِ ، وأحياناً يحرمُه من طقوسِ عزلتهِ بثرثرتهِ المملَّةِ .
– ومن ضمنِ ثرثرتهِ قولَه دائماً :
– كفاكَ سواداً ياصامت !!
– حتَّى أنت ياصديقي ، إذن فليسحقْ صامتٌ !! والمأساةُ يحاسبونك لماذا لم تصمد ؟!
– لن أنامَ حتَّى اقرأَ (غراب أدقار ألان بو..)
– لاعودَ بعد ذلك ياصامت .
– لينور لن تعودَ .
– صديقي القديم من جيل الطَّيِّبين : السَّلام ياصامت لايحلُّ بنفسك المرهقةِ إلَّا إذا تامَّلت البياضَ الحقيقيَّ .
– الفراشةُ تحترقُ من السَّعادةِ ، وتدخلُ النَّارَ وهي طائعةٌ .
– إذن هي قتيلةُ قرارِها الوحيد .
– نعم !!
– وأنت تغرسُ شتلةً صغيرةً ، وتربطُ بها حبلاً حتَّى تكبرَ لتشنقَ نفسك بها !! (مستمرٌ بالثَّرثرةِ الَّتي يظنُّ أنَّها نصيحةٌ )

* ورقة ثانية
(شئ من الَّلاوعي)
– تركه وحيداً مع فراشتهِ و سوادِ الذَّكرياتِ والماضي الأليم .
– حلمت أمَّه قبلَ صرختهِ الأولى في بيتٍ خشبيٍّ ، برجلٍ يتلاشى ثمَّ يقتربُ حاملاً طفلها الرَّضيع .
– أبوموسى بعد قطعِهِ لأكسيرِ الحياةِ ، وجلدةِ الرَّضيعِ السُّفلى ، قالَ لها : هذا سآتيه عندما يكبرُ ، ولن يغتني مهماعمل .
– حياته ستكونُ سواداً في سوادٍ .
– استيقظت أمَّه فلم تجد أحداً ..استعاذتْ بالله ..تحسَّست بطنها واطمأنَّت .
– المهم تاريخُ الولادةِ المزعومِ (1389/7/1هجري)
– الأوسط ترتيبه ، عائلته كثيرةٌ ، أمَّا هو فواسطة العقد .
– هوايته أو رغبته في اقناع نفسه بأنِّه فنَّانٌ .
– حفنة اقلامٍ مائيَّةٍ ، ودفترٌ مسطَّرٌ ، وفرحةُ والدين بطقوسِ الصَّمتِ والانهماكِ – من هذا الفتى المؤدَّب – ظهراً إلى حدودِ صلاةِ العصرِ .
– مدينته جميلةٌ بل لؤلوةٌ على شاطئ .
– أمسكَ بحصاه الأملس من كثرة مداعبة المياه له .
– المشكلةُ حضورهُ إليهِ كانَ قليلاً مع أهلهِ .
– يحسدُ من يعودُ وبثيابهِ رائحةَ البحرِ .
– كانَ حالماً ، وكثيرَ الحركةِ بأروقةِ مدرستهِ (جابر بن حيَّان) وكأنَّهم أرادوا لهذا الفتى الحزين ان يكون كيمائيَّاً مضحكاً ..
– من الصَّف الأوَّل مروراً إلى الخامس ، وهو يتلقَّى صفعات التَّعليم ، وخيزرانه .
– معلِّم يضرب طالباً بعنف ممزوج بصراخه الهستيري ، السَّبب لهذه الحفلة السَّاديَّة غياب يوم واحد !!
– الخوف ليس غريباً عن هذا المكان البائس .
– غلطته هي انتظاره بحرقة لموعد وصول والده من شركته التي يعمل بها .
– مواعيدُ عرقوب تنخرٌ الجسدَ ، وتعصفُ بالرُّوحِ ، والمطلوب ثوب عيد ، فلماذا الانتظار ؟ ومبلغ الثَّوب ضئيل في ذلك الزَّمان البرئ .
– تقافزت السَّنوات الدِّراسيَّة الواحدة تلو الأخرى حتى وصل إلى السَّنة الخامسة ، وتقديره ( جيِّد جداً) .
– لأوَّل مرًّة ..كان ينتظر المكافاة لكن للأسف لم يرها..
– من وقَّع استلام الشَّهادة ؟!
– هو جارهُ الأسمرُ ..سأله عن الوالدِ ، فقالَ : والدي غائبٌ ..وهو يتألَّمُ من غيابهِ معظمَ السَّنةِ ، فلا عجبَ من إصابةِ امِّهِ الحبيبةِ بالقرحةِ نتيجةَ الضُّغوطِ ..
– لا يراه إلا في احلامٍ تبعثُ على الأسى .. لوحضرَ لأخبرهُ بأنِّه معه في هذا العالمِ .
– أنتَ لستَ وحيداً ياأبي .
– لم يجبه الأب ، ولم يستيقظ !!
– قبل ظهور حمرة الفجر ، دار هذا الحديث مع والدته الصَّابرة :
– صامت ..
– هاه..
– ليه واقف على عتبة الباب ؟
– صحيح سنرحل عن مدينتي ، وبحرِها الهادئ ، ورطوبتِها الخفيفةِ ..
– نعم صحيح إلى الشَّمال .
– أبوك استقال من وظيفته لم تكمل كلامها ، فالحمل ثقيل .
– يتذكَّر أن أمَّه ضمَّته بشدّة وهي خائفة .
– حملته لكي يكمل نومه المتقطِّع من الخوف .
– جلستْ على كرسيٍّ قريبٍ من الباب .
– تنتظر وصول أخيه الأكبر .
– تقلق عليه على كل حال بمجرَّد خروجه من البيت .
– لماذا بكت لا يدري ؟!
– انتظر العمر كلَّه ، و لم يستيقظ أبوه .
– ذهب على متن سيَّارة قديمة زرقاء اللَّون كبحر مدينته الشرقية .
– حملتهم مع أثاثهم اليتيم والبسيط .
– الأيَّام الأولى في المدينة الشَّماليَّة مرعبة ، فلم يختلط إلَّا بأقربائه ، والمصيبة قاسمهم الفقر و البيت .
– هنا عبارات غريبة غير مفهومة ..جوٌّ يميل للغبار ..وبيوت طينيَّة أغلبها متهدِّم..
– الدِّراسة مكانها (محمَّد بن عبدالوهاب) أوَّل يوم في الصَّف السَّادس ، غثيان مريع ، ووجوه عابسة ، ومفاصل يشاهدها نحيفة من سوء التًّغذية..
– مرحى قريبه احتواه في المدرسة ، وشعر بشئ من الأمان كان على أقل تقدير يحتاجه .
– صوره المرعبة المخزَّنة بالَّلاوعي قد ازدادت في مدرسته الشَّماليَّة .
– كان أشبه بالكرسي ، لا يتحرَّك ولا يستأذن لدورة المياه ، ولايعترض على أي طالب يضربه !!
– ساستخرج من ذاكرة صامت الشَّمري موقفاُ له مع مدرِّس العلوم :
– تبادل نكتة هو وزميله على استحياء في حصَّة العلوم .
– المهم ضحك بصوت منخفض ، وهو يقرأ نكتة زميله من قصاصة صغيرة رماها إليه .
– لمحه عندما أشار إليه بأصابعه .
– كان ضخم الجثة ، يجلس على كرسيٍّ نحيف الأضلاع ، وأمامه طاولة مخطَّطة بخطوطٍ بنيَّةٍ .
– صوته أجش ..تعااااال :
– لماذا تضحك ياصامت ؟
– وكيف تضحكُ ، واسمك صامت ؟
– قهقهةٌ من طلَّابِ الفصلِ خاصَّةً الأغنياءِ الَّتي تدلُّ ثيابهم وهيئتهم وبدانتهم على ذلك أمَّا الفقراء أمثاله ، فلا يضحكون ..
– افتح يدك ..كانت ليِّنة وبيضاء يده من رطوبة مدينته .
– الغريب لم يتألم ، وهو يسمع صوت العصا إلا بعد نهاية الدَّوام المدرسي .
– البيت الذي استقبله ، واستقبل بكاءه الكثير ، وفرحه القليل في حيِّ الطَّبقات الفقيرة (العزيزيًّة)
– هو نفسه يشعر برقصة الخوف والجوع في بيته الشَّعبي ، وحوله النّار تشتعل .
– على الرُّغم من أحلامه البسيطة ، اصبح معِّلِّماً بعد أن نزف من حياته صبراً وعرقاً كثيراً ، ومازال يبحث عن هذا المعِّلم ، وهو حانق .
* ورقة ثالثة
(منتصف الطَّريق)
– بعيدةٌ عينه عن بلدتهِ الشَّماليَّةِ .
– كيف يحنُّ إليها ، وهي الَّتي علَّمته معنى الحزنِ والشَّتاتِ والفقرِ ؟
– خطابُ التَّوجيهِ في يمينهِ ، يخاطبُ زميله بانتباه :
– بدر..
– نعم..
– وش رايك ينفع دخولي على مديري كذا .
– لم يردْ بدر هو مشغولٌ بنفضِ الثَّوبِ من غبارِ الخمسين كيلو عند بابِ المدرسةِ الصَّدئ..
– أخيراً دخلنا المدرسة البكر بل أوَّل درجة من درجات جهنَّم الحمراء .
– مبنى متهالك ..لوحات طلاَّبية عشوائيَّة على جدرانها ..مدير صارم ، ولاندري لماذا هو غاضب ؟!
– هي وسط كومة من البيوت البائسة ، أكثر مالفت نظري كثرة الدَّكاكين المغلقة ..واكثر عدداً من سكَّان القرية ..
– ياإلاهي يابدر كيف نسكن بالمدرسة ؟!
– أسكت واحمد ربَّك وجدنا سكناً !!
– فهمت ، أين سننام ؟
– قال ضاحكاً : يمكن في غرفة المدير .
– الطَّريف عند خروجنا من مدرستنا الجميلة.. سُرِقَ مسجِّل السَّيَّارة .
– لم نجد إلَّا الضَّحك متنفساً لنا .
– صرخنا بصوتٍ واحدٍ ، ياله من غبيٍّ ، ترك حقائبنا بصندوقِ السَّيَّارةِ وأخذ المسجِّلَ..

* ورقة رابعة
(حلم ورسالة)
– سأقولُ له : طالبك الذي سخرتَ منه ، قد عَلِمَ وعلَّم ، وبكى وأبكى ، واستوطنت شعيراتٌ بيضٌ على جوانبِ رأسهِ .
– سأرقصُ له رقصةَ الفرحِ بعد تقاعدي أمَّا أحلامي الأخرى ،
فسأرويها لأحفادي حتَّى يناموا ليلاً او ربَّما يتأثروا بها مستقبلاَ .

*ورقةأخيرة
(موت صامت)
– حاولَ أحفادهُ بالتَّقبيلِ تارةً ، وبالهزِّ تارةُ أخرى لكن للأسف .
– حسبوا أنَّها لعبته المفضَّلة ، يتظاهرُ بالنَّومِ ثمَّ يهجمُ عليهم مقلداً صوتَ الوحشِ ..
– صامت الشَّمِّري لم يستيقظْ كوالدهِ !!!

سبتمبر 27th, 20171315

اكتب تعليق