مُعذب قلوب الأخوان!
الكاتب : صالح جريبيع الزهراني

على وزن معذب قلوب العذارى.
لو سألت عربياً من مسقط حتى طنجة..ومن دمشق حتى عدن:ماذا ترك لكم الحكم العثماني؟!
لكانت الإجابة واحدة:تركوا لنا الفقر والجوع والجهل والمرض والخازوق والمشانق ومجموعة من قلاع الجند ومخافر الشرطة وقصور الولاة..وملايين الأرامل..وفقط.
لا مدارس ولا جامعات ولا مستشفيات..لا طرق ولا جسور ولا مدن حديثة ولا أسواق ولا صناعات ولا يحزنون..بل هدموا ما كان قائماً قبلهم من معالم الحضارة خلال حروبهم الاستعمارية في الوطن العربي وغيره..ثم تركوها للغربان.

بنو عثمان كان كل همهم التوسع الاستعماري من أجل جلب خيرات الأقطار إلى القسطنطينية..وبناء القصور وجعل آنيتها وأثاثها من الذهب..ولم يشهد التاريخ لأحد خلفائهم بأنه زار مكة أو المدينة حاجاً أو معتمراً أو زائراً حتى خلال حكمهم الممتد لحوالي600عام..وجل ما فعلوه للحرمين الشريفين والمسجد الأقصى من ترميمات عبر تاريخهم لا يعادل قيمة كرسي مطلي بالذهب لإحدى محظيات الخليفة.
أما التوسعة فلم تكن إلا بنسبة خجولة وصلت 14 % للمسجد النبوي فقط مقارنة بنسبة 502 % لتوسعة المسجد الحرام في عهد الملك فهد على سبيل المثال..وسكة الحديد التي أوصلوها إلى المدينة المنورة مع أواخر عهدهم كان هدفها عسكرياً بحتاً يتمثل في سرعة السيطرة على الأقاليم وشارك في تحمل 80% من تكاليفها رعايا الخلافة عبر فرض ضريبة خمسة قروش عن كل فرد ذكر وإصدار طوابع خاصة بالمشروع والاقتطاع من رواتب الموظفين.

ويذكر التاريخ للعثمانيين أنهم تركوا أطراف خلافتهم وسكانها نهباً للموت والأطماع وقطع الطريق والحروب والنزاعات القبلية..ولم يحموها من الأطماع الخارجية..فكان الإسبانيون والبرتغاليون والإنجليز والفرنسيون يعربدون عبر أقاليم الخلافة ويقتلون هنا وينهبون هناك..ونشأت في كل إقليم دولة أو مجموعة من الدول والسطلنات والأمارات..ويكفي أن نذكر فقط أن السلطنات في إقليم حضرموت لوحده بلغت أكثر من 12 سلطنة..حيث لم يكن لحياة البشر عند(العصملي)أية قيمة وخاصة العرب..وكل ما يهمه مقدار ما يجنيه في كل موسم حصاد وفي كل مناسبة من خراج وأتاوات وضرائب(وأرزاق)يأخذها بقوة السلاح من أفواه الجياع الذين لم يقدم لهم أية حماية.

في عهد الخلافة العثمانية ذهبت الأندلس..وعندما استنجد الأندلسيون بأكبر قوة(إسلامية)وعالمية ذلك الوقت أرسل لهم الخليفة سفناً لتهجيرهم من هناك..ولم ينس أن ينقل معهم اليهود إلى حواضر دولة الخلافة..كما ذهبت في ذلك العهد الجزائر وتونس وليبيا ومصر والسودان..ونشأت الصفوية الفارسية وانتهبت مجموعة من أقاليم الخلافة..ثم تخلى العثماني عمّا أسماه العراق الفارسي للصفويين..أما أوساط الجزيرة العربية فهو لا يتذكرها إلا حين يريد قمع(الأعراب)وتأديبهم عبر حامياته في مصر وغيرها.

وفي عهد الخلافة عطلت الصلاة في مسجد رسول الله لأشهر..وانتهك حرمه أكثر من مرة..كان آخرها ما جناه فخري باشا على أهل مدينة رسول الله..حين أعمل فيهم سيفه وبنادقه وقتل من قتل وهجر من هجر..وفرق بين الرجال وأطفالهم ونسائهم في كارثة(سفر برلك)المشؤومة..وأكل الناس في تلك السنوات العجاف القطط والكلاب والفئران وجثث الأموات..ثم قام بسرقة كنوز الحجرة النبوية الشريفة المادية والمعنوية وأرسلها إلى قومه في آستانة قبل أن يغادر ملوماً مدحوراً إلى دياره..وقد نال بقية الأقطار نصيبها من الدم والفتك العصملي بالرعايا الذين برموا وتعبوا وضجوا من الظلم والقهر والإهمال والفقر والتسلط..ولعل ما جرى للأرمن من مجازر في تاريخ الخلافة القريب أكبر دليل على الإجرام الذي نخر حتى قصور الخلافة نفسها..ورأينا كيف قتل سليم الأول جميع أخوته وجميع أبنائهم لكي يستقر على كرسي الخلافة المضرج بالدماء والحروب والفتك والدمار على مدى ستة قرون.

أما أكبر كارثة جناها العصملي على الأمتين العربية والإسلامية فهي تحريم الطباعة على الرعايا المسلمين لأكثر من مائتين وعشرين سنة..من 1493 م وحتى 1716 م ..وهو نفس الوقت الذي احتاجته أوروبا لتخرج من جهلها وتشق طريقها نحو العلم والحضارة التي تفوقت بها لاحقاً على الخلافة والخليفة الذي لم يخترع لشعبه سوى الخازوق.

الكارثة الأخرى التي جناها الأتراك على الأمة تمكينهم لليهود من  فلسطين..حيث تمكن أحفاد يهود الدونمة من التغلغل في مفاصل الخلافة عبر جمعية الاتحاد والترقي..وفرضوا على آخر خليفة عثماني قبول استطيان اليهود لفلسطين..وحين حاول الرفض عزلوه..بل وأنهوا خلافته كلياً..وأنشأوا دولة قومية علمانية على أنقاض الخلافة بقيادة أتاتورك الذي يسبّح بحمده(خليفة الأخوان)اليوم ولا يجرؤ على الخروج عن منهجه العلماني..وعن اعتراف دولته بإسرائيل ضمن أوائل الدول التي اعترفت بها..وهو لا يجرؤ أيضاً أن يقطع العلاقات معها ويقوم بإغلاق سفارتها التي لا تبعد عن منزله كثيراً.

خليفة الأخوان الذي يسبح بحمد أتاتورك العلماني كل يوم كفرض الصلاة..ويقر زواج المثليين..ويغض الطرف عن شواطئ العراة..يحاول مداعبة مشاعر(دلوخ)الأخوان بالعزف على وتر الخلافة التي يحلمون بعودتها..ويحاول استحضار أمجادها المزعومة..وأمجاد أجداده كما يسميهم..تلك الأمجاد التي استعرضنا بعضاً منها هنا..وأغراه في الإمعان في هذا الطريق انتهازه لفرصة أغلبية البرلمان من حزبه وتشريعه الانفراد بالقرار(كخليفة)وإلغائه لمنصب رئيس الوزراء..وسجنه لعشرات الآلاف من معارضيه..وتسريح مثلهم من وظائفهم..وتكميم أفواه كل إعلامي معارض وإغلاق قناته وصحيفته..وحظر وسائل التواصل الاجتماعي..واستغلال نجاح تركيا اقتصادياً أثناء ركضها للانضمام للاتحاد الأوربي وتجييره باسمه..فكانت النتيجة أنه خسر كل شيء.

خسر الانضمام للاتحاد الأوروبي وتم طرده بصوت عالٍ..وخسر مصر بانحيازه إلى الأخوان المفلسين الذين يستضيف مجرميهم من أمثال وجدي غنيم المحكوم عليه بالإعدام وأمثاله من المتآمرين على أوطانهم وعلى الدول العربية والإسلامية..وخسر دول الخليج حين أتى بكل عنجهية ليعرض على السعودية إقامة قاعدة تركية في ديارها ونسي أن الطائرات الحربية السعودية تعمل في محاربة الإرهاب إنطلاقاً من قاعدة إنجلريك التي تقع في دياره..وخسرهم حين أتى لحلب نظام الحمدين وإفقار الشعب القطري من خلال خمسة آلاف جندي أرسلهم إلى هناك بداعي حماية قطر من أهلها..والحقيقة أنه أتى لحماية الكنز المالي الأخواني الداعم لتمزيق الوطن العربي..والممول لداعش الذين ينتقلون عبر أرض خليفة الأخوان بكل أريحية(سرداحي مرداحي)بين سوريا والعراق وأوربا..وخسر الأكراد في كل مكان حين أرسل دباباته إلى العراق وسوريا للفتك بهم تحت شعار حماية السنة..وخسر الفلسطينيين عبر إقامته لعلاقات لا يشوبها شك مع عدوهم الصهيوني وعبر إقامته لمصانع حربية بالشراكة مع الصهاينة ليقتلوا بها الفلسطينيين الذين يتاجر الخليفة بقضيتهم وبقدسهم صباح مساء..وحتى بعد أن صفعه الصهاينة في قضية السفينة مرمرة وقتلوا جنوده وضباطه عاد ليطلب الرضا من قاتليهم.

خليفة الأخوان(الذي أسر قلوب الأخوان)كما أسر وضّاح اليمن قلوب العذارى..هو مجرد بائع شعارات..ولكنه للحقيقة من الدرجة الأولى..ولا يملك سواها..ورغم جهوده في تأسيس قاعدة شعبية لخلافته عبر العالم العربي واستحواذه على قلوب(الغربان)..إلا أنه فشل في مد ظل خلافته..وكشف العرب الذين فاقوه وفاقوا أجداده في العلم و الحضارة جميع ألاعيبه..وكشفوا منهج الغربان قبله..ولذا وجدنا أركانه تهتز من مجرد تغريدة تكشف سوء أحد أجداده كما يسميهم..فاستبد به الغضب وأخذ يشطح وينطح ضد كل العرب ويتهم مسؤوليهم بالخيانة لمجرد أن سمو وزير خارجية الإمارات أعاد تغريدها..(وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه)..ونسي خيانة آبائه وأجداده وتحالفاتهم العلنية المكشوفة مع أعداء رعايا الخلافة في كل مكان..بل نسي علاقته هو بشارون واعترافه بإسرائيل.

خليفة الأخوان..ربما يسوؤه أن يتقدم العرب للصدارة ويحوزوا الريادة..وربما يشعر بالحسرة من يقظة(أبو ظبي)وتصديها للأخوان القطبيين..ووصول دبي إلى العالمية..وقيادة الرياض واستقرار القاهرة..وهو نهج الأخوان المفلسين..غربان البين وأخوة براقش..الذين لم يجلبوا لأوطانهم إلا الإرهاب والخراب والدمار..وإنني أتمنى لتركيا السلام.

صالح جريبيع الزهراني

ديسمبر 22nd, 20171784

اكتب تعليق