(أسبوع المعذًب الذي لايكذب)
الكاتب : ناصر ناهي الشمري

* اليوم الأول :
فتح نافذة غرفته ، واستنشق عادل العزيزي هواء مدينته الرطب .
عاد بسرعة إلى تلفازه القديم اشتراه من الحراج بخمس مئة ريال ، وندم على ذلك .
قلّب القنوات الكثيرة حتّى وصل إلى برنامجه الشّهير لأبراج الحظ .
(اسمع ياخوي انتبه اليوم لاتخرج ، وقد تحصل على وظيفة عند مدير شرس ، أتمنّى لك التّوفيق ..مبروك إنت برجك برج الثّور !!)
الثّور والله اللي يتابعك ..لاتخرج ، وتحصل على وظيفة ، كيف آخذ وظيفة بلا خروج .
ضغط الريموت بعصبية حتّى تعرّقت راحة يده .
فرو ناعم يداعب رجليه نظر إلى الأسفل ، قطّته قلقه ، وتموء أكثر من مرة .
حملها بحنان وأخرجها ..أغلق بابه .
لماذا تخرج ياعادل العزيزي ؟
اليوم عطلة ..فرصة اجتمع مع خطيبتي أو زوجتي ، فأنا عاقد لكن عدّة العرس وتوابعه متعبة كما أنّ ظروفه الماديَّة لاتساعده فقط خمس مئة ريال مع عبارة سامحني ياولدي اليد قصيرة ..
مسموح ياوالدي غداً أتوظّف وأعوِّضك ، أنا موعود بوظيفة .
لو رأى غرفتي المستأجرة على السّطح لااقتنع.. موعود ياقلبي بالحزن موعود ..
لماذا إخرج في أوّل أيّام الإسبوع ؟ فوق الكبت لعبة الورقة ..
هتف بكل أريحيّةوكرم ، سألاعب نفسي .
قسّم الأوراق قسمين يجلس يمدّ يده يأخذ ورقه ..ثمّ للمكان المقابل ، ويأخذ ورقة ..يصرخ (باصرة) حتى تنتهي اللّعبة معها ينتهي كوب الشّاي ، وأقراص الطّعميّة ، وقرون الفلفل .

* اليوم الثّاني :
بالمناسبة لقب العزيزي مأخوذ من قريته العزيزيّة .
من غرفته البائسة على سطح العمارة ، لبسه أنيق على الرّغم من بساطته .
إلى أين ؟ إلى سوق الجمعة ، ومبسطه المكوّن من سجّادة صلاة ، وصندق خشبي .
هوايته تربية وبيع الطّيور خاصّة الحمام عشقه الطّفولي في قريته الميمونة .
تخرّجه من قسم لايفيد ..ولايسمن من جوع ، هو ينتظر وظيفة قد تأتي وقد لاتأتي .
الأغلب الأعم يعود بحماماته وفراخها كما ذهب بها لم تباع .
ثوبه قد تلوّث برجيع الحمام يسبّه ويستغفر .
غرفته أجرتها بسيطة مشكلته أنّ الحمام بالدّاخل تنام معه ، وتزعجه أحياناً بهديلها وصراع الذّكور الّذي لاينقطع .
جلس على حافّة السّرير ، اكمل أكل مافَضُل من الإفطار على سبيل الغداء ، واستلقى محاولاً النّوم .
(هوّنها ياللّه ، وأعدني لقريتي ..لحقل أبي ..دموع في أوّل اللّيل وآخره ، تعرف طريقها جيّداً إلى خدّ عادل العزيزي ..
إذا زاد الحزن يتكئ على يده اليمنى ، ويتأمّل ألبوماً للصّور القديمة ..والده ..أمّه ..نخيل والده ، فهو حبيب والديه ووحيدهما .

* اليوم الثّالث :
طُرق الباب ومن شدّة الطّرق ، استيقظ عادل ، وفتحه :
* عمّي ..
* عمّك البلاء !
* كم لك ، وإنت معلّق بنت عمّك ؟
* طيّب تفضّل واقف عند الباب ليه .
* قال عمّه بغضب يمكن ذبيحتي من حمامك اللّي تبيعه بسوق الجمعه .
فضحتنا بالقرية أنا جايك ، وعامل المحطّة الهندي يستهزئ بي وبك ..
* ياعمّي هذا أنا أطرد المؤسسات والدّواير الحكوميّة ، كل مؤسسة أو دائرة تطلب أوراق غير الثّانية وأنا..
* قاطعه عمّه ، ولوّح بأصبعه في وجهه ، وقال : طلّق ابنتي ، ويكفي فضائح .
* أحسّ بالإهانة العلنيّة ، وكأنّه بوسط السّوق الشّهير ..طز فيك ، وفي بنتك..

* اليوم الرّابع :
فكّر بطل قصتنا بالموت لولا بقيّة من إيمان .
وجه أمه عصمه من التّفكير لابدّ أن أغيّر حياتي بهدوء ، حارس العمارة بالخارج ينادي بصوت خفيض حتّى لايزعج النائمين والحالمين ، ويحاول تحريك أكرة الباب .
أكيد يطلب الأجرة مئة ريال المشكلة مابعت شي .
أخذ عادل سريره في الصّباح بعد تأكّده من غياب الحارس .
ثمنه مجزٍ انتهينا من مشكلة الأجار .

* اليوم الخامس :
كان المطر يهطل في هذا اليوم ، ولأوّل مرّة يشعر به كالطّبول الأفريقيّة الصّاخبة ، يصمّ الآذان .
ضرب متواصل على سقف الغرفة المصنوع من الحديدالمقوّى .
قام وفتح النّافذة لكنّه سَعُل فجأة ، وانتفخ وجهه بسبب مرض أصابه ببعض الهذيان والحرارة .
يقول دكتور الحيّ الحكومي صديقه : يجب عليك أن ترتاح ، فالوقت شتاء ، ولا بدّ من التّدفئة .
قال له ضاحكاً : لاتنسانا من فراخ الحمام !!
يظلّ راقداً ولاينام ، من حرارة رأسه ، حلم بملاك يلبس ثياباً بيضاء يمسح جبهته العرقة المحمومة .

* اليوم السّادس :
قبل ذهابه لسوق الجمعة جمع عادل جميع الحمام ، أراد الرّحيل لذا سيبيع أثاثه البسيط..حمامه وفراخها..توكّل على الله ، واتفق مع سوّاق التّاكسي للعبور إلى روحه هناك ..عصافيره مشتاقة له ..لكن الحرارة تزداد ، ومفاصله تؤلمه .
كلامه غير متزن ، نظف السّطح من الوساخة استعداداً للذّهاب غداً لحارس العمارة ، يعطيه ماله للبحث عن مستأجر آخر ..

* اليوم السّابع والأخير :
لاأريد أن أهيم في بلاد الله الواسعة ، أحمل قلبي كما أحمل هداياي حتّى أطفال القرية سأهديهم .
هذا الحوار من تأثير مرضه الغريب المقلق .
(ياراجل ماتكبرش الموضوع دا برد بسيط )
انسحبت نجوم اللّيل ، واقترب شحوب الفجر ، استيقظ عادل ، وهو يرتجف من البرد ، حمل كيسه الحزين به بقايا ثيابه ، وبصعوبة شديدة نزل من السّلم البعيد عن كرسيّ الحارس .
سلّم عليه وودّعه ، قال له : مالك وشّك أصفر ، وكفّك محرور ..
لا أبد برد بسيط ..سقط بجانبه ، فحمله لغرفته في البدروم .
بعد ساعة أتى صديقه الطّبيب ، فحصه بسرعة ثمّ أغلق شنطته الطّبيّة ، وقال للحارس وهو يهزّ رأسه : يمكن انفلونزا الطّيور ..

يناير 5th, 20181207

اكتب تعليق