واجتاحتهم العاصفة فذهبوا مع الريح
الكاتب : فاطمة عبدالله

هذه الأيام هناك صوت أطربني ورفّت ألحانه على أوتاري ، كُنّا كثيراً ما نردد مقولة : ( لا تجعلوا من الحمقى مشاهير ) لكن تكرارها كان أشبه بتكرار الببغاوات مجرد عبارات جوفاء بلا وعي فعّال ، فكأنما هي يداً واحدة مستنكرة لم تستطيع التصفيق لفترة من الزمن ؛ لكن حين اجتمعت الأيدي كانت سيمفونية الوعي تصدح في الأرجاء .
أعادت الأمل لنفسي حملة تهدف إلى إسقاط المشاهير هي من أجمل الحملات أُسميها ( حملة تعديل القُدوات ) أولئك الذين حصروا العالم السعيد في قنينة عطر فاخرة ، وكوب من القهوة الباهظ الثمن مع قطعة من الشوكولاته بنكهة النجوم تُقَدم ساخنة في طبق من خشب الزيزفون ولابد من تناولها في مقهى بجوار القمر ، أو قطعة قماش مغزولة بسنا الفضة أو حقيبة مصنوعة من أدمة جلد التنين أو رحلة بحرية إلى بلاد ما وراء الشمس ؛ أصابوا صغارنا وقليليّ الحيلة بالكآبة وجعلوهم ينظرون لحياتهم الجميلة بخجل وازدراء وكأنه مُعدم رغم انه يمتلك أولويات الحياة السعيدة ؛ استعرضوا الزيف بلا مراعاة لأدنى مشاعر المحيطين بهم ضاربين بالمصداقية والأعراف والقيَم عرض الحائط ، جعلوا روابط الوصل صعبة ، صعّبوا الحياة على البُسطاء والطبيعيين فقدت اللقاءات الاجتماعية رونقها ، غلّفوها بالتكلّف والبهرجة حتى أصبح البعض يستصعبها ، فقدت الاجتماعات والواجبات الاجتماعية عذوبتها لأنها لم تعد كما كانت ولم تصل لحدود ما يُشاهد في حسابات مشاهير السراب ، صوروا حياتهم الكاذبة وبروزوها بإطار مدفوع الثمن مرفوع التكاليف ، روّجوا لسلع رديئة الجودة ، وحياة هزيلة اختلطت فيها المفاهيم واختلت في معظمها المبادئ التربوية والاجتماعية حتى ما عُدنا نفرق فيها بين العاقل والمجنون واشتبه علينا الصواب والخطأ صنعوا فجوة طبقية في المجتمع وهمية لا تمت للحقيقة بصلة ، أحدثوا شرخاً في جدار التعايش مع الواقع .
جميل هذا الوعي ، جميلة هذه الانتفاضة الفكرية .
نعم الحياة ابسط وأجمل ، نعم الحياة بِها أهداف أسمى ونماذج أرقى ، نعم خلقوا أجيال مُحبَطة .
إنّ هذه الانتفاضة رُبما لا تُفيدني أنا و أنت فقد صُقلت شخصياتنا واستطعنا التمييز بين المتشابهات من الأمور لكنّها ستنقذ أجيالا قادمة وجيل حالي كان سيتربى على كومة ريش يطير في الهواء عند أول مجابهة للحياة الواقعية .
بعد بدء توجيه الخطاب لذاتي ؛ أنا أخاطبك أيها العاقل يا صاحب المبدأ والهدف لا تجعل من هؤلاء مشاهير، ساهم و كُن أنت الفعّال دع بصمتك تبقى وآثارهم تذهب مع الريح .
نشتكي من الغلاء في المعيشة مع أننا نستطيع التأقلم حينما نتخلى عن كماليات زرعها هؤلاء الحمقى في أعيُننا وفي اللاوعي لدينا ، وحينما نركّز على الضروريات ونخلق البدائل المتاحة لحياة خالية من العُقد ونكُن أكثر تركيزا على الأهداف والأولويات برؤية مدروسة لمستقبل حقيقي ، حطِّم معنا هذه التماثيل المنصوبة في أجهزة أبنائك وأهل بيتك وفي برامج التواصل ، حرّر فضائك من هؤلاء المُهرجين ومروجيّ الكذب اخرج عالمك النقي من هذه الفُقاعة الزائفة .
وإلى أصحاب الحملة أقول أنتم أمل الغد استمروا وسنشُدّ على أيديكم وندعم هذه العاصفة حتى تنظف سمائنا من هذا التلوث المجتمعي ونطمس ثقافة الإفلاس الفكري ونُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح بلا أقنعة كاذبة ولا حماقة للمشاهير .
بقلم / فاطمة بنت عبد الله

يناير 10th, 20181410

اكتب تعليق