ليلة أخيرة .. ثم أعود
الكاتب : ناصر ناهي الشمري

( 1 )

د/مهران طبيب متمكّن ، ومختص بعلم الأورام ، ومستشفاه يغصّ بالزّوار والممرضات اللّهم لاحسد ..
مايميّزه روحه ومهارته العالية ، كان يرى أهمية العلاج النّفسي والجسدي مع بعض ، هذا غير صلعته اللاّمعة في مقدمة رأسه .
رفع يده بعد أن تحسّس بطن مريضه أسفل السّرة ، وقال بلهجة حاسمة لاتقبل الجدال : حذرتك لاتخرج من المستشفى عندك اليوم جلسة أولى ، ولاتيأس إنّ الله مع الصّابرين بالنّسبة للأسعار فسأراعيك لاتخاف ياأستاذ / سعيد .
جلس سعيد منصور بتثاقل على الكرسي ، ونظر برحمة مشفقاً على طبيبه : (أعلم ياطبيبي أنّي في مرحلة متأخّرة ، فلماذا تواسيني ، وكأنّني محكوم عليه بالأعدام ؟ اعتدت على كراهيتها ، فهي السّبب في إصابتي بهذا المرض ..)
لن أتأخر د/مهران أعدك بذلك فقط هذه الليلة..
هزّ راسه بأسف على حال سعيد منصور .. صحفيّ الأجيال الخبير .
خبرته تتعدى العشرين سنة ، في هذه العشرين الكثير من العرق ، ومخاطر الوظيفة ، والدّسائس ، والمؤامرات..
من تخرّجه من كليّة الإعلام قسم التّحقيقات ، وهو نحلة لاتهدأ ، لديه قدرة هائلة على عدم التّأثر بتوجهات عديدة تموج من حوله .
لم يكن شجاراً بالمعنى المفهوم مع زوجته بل كان جدالاً محببا لسعيد أيام الشّباب أمّا الآن ، فقد هزمته آلام القولون الشّديدة ، ولم يرحمه طبيب غبي صدمه بالفاجعة .
إحساس فظيع ، جعل الدموع الكثيرة تتجمّع وقتها في عينيه لكن لم تنزل حتى يرتاح .
وصل إلى الباب الدّاخلي للمستشفى ، ركب سيّارته المركونة بمواقف المستشقى بصعوبة ، الوقت ليلاً ، وساعة السيّارة تشير إلى السّاعة التّاسعة ..
ماذا أعمل عندما ألمحها أمامي ؟
لم يجد أيّ جواب لكنه ظل ينتفض من الخجل و البكاء..
هذا من ضمن الأسئلة التي خرجت من ذهنه المتعب ، وهو يسير بسيّارته في شوارع مدينته الصّغيرة المظلمة في أكثر من موقع ..
لاينسى بحرها الهادئ في أكثر أيام السّنة ، المقاعد الحجرية لاتستهويه دائماً يتنزه على الشّاطئ إن كان حزيناً أو انتهى من جلسة صراخ مع زوجته .
هذا الهروب والانزواء لم يعد يفيد بل زاد في تعقيد المشكلة .
تعجبه نوارس البحر البيضاء المهاجرة ، يمسك بحصاه الأملس ، يشمّه.. يسمعه آخر ماتيسّر من ألمه المعتّق ..
يدندن له بهذا البيت النّبطي :
عطني وفا ، وأعطيك حب امتداده
مثل البحر وأسكّنه في حناياي
رومانسيّة تهتاج مع البحر الهادئ ، الأمواج ترتطم بدلال ورقّة ، وهو يرتطم بواقع شديد وجديد لا حلّ له !!
لحظة اكتشاف مرضه ، كانت ليلة حاسمة قلبت حياته العائليّة الخالية من الأطفال رأساً على عقب ..
(أنت ياأستاذ سعيد راجل مؤمن ، عرفت السّبب بالدّماء الخارجة من تحت.. دي لعبتي آه ..) .
خرجت روحك من مكانها !! لأوّل مرّة يفقد أعصابه ، يحاول معرفة أقصر الطّرق لشارع الياسمين أمام لعبة النسيان ينتصر الأخير .
شقته المستأجرة هناك على هذا الشّارع المزيّن بأحجار بيضاء مرصوصة على رصيفه المنقّر بورود الياسمين .
لم يستطع بناء منزله الخاص ، كانت مبادئه مقدّسة عنده ..لطالما عرضت مبالغ فلكيّة عليه بخصوص تحقيقاته الصّحفية الفاضحة للفساد لكن لافائدة ..
صحفيّ المبادئ لابد أن يكون فقيراً ..كلمة سعيد منصور الشّهيرة حكمة مسجّلة باسمه ..
ليتني بقيت على حياتي السّابقة ، وتحمّلت حزنها..همها..وحدتها ، ولم أقع وأتورط ، لكن لم يسكت فحيحها وسمومها ..
– (غيري عنده مجوهرات و فيلا ، وأنا شقّة ولا بعد ليست تمليك !!)
جزء من السّموم والفحيح اليومي .
الآن تعبت من الكذب عليها.. على أصدقائي..على أمّي بأنّ مراجعاتي لآلام القولون البسيط فقط .
بأنّي أحب ولا أحب ..أمثّل ولا أمثّل .. البس أقنعة كثيرة ، وأنا الكاره لها عندما أخرج إلى دنياي الجديدة متمثّلة بروائح البنج والعطور والمحاليل .
محور أفكاره ، ومايرسمه في خياله سيئ ، ولا يعلم لماذا ؟
كلّ مايعلمه ندمه الدّائم ، وشكواه المستمرَّة بانفعال مسموع أو مكتوم ..
انا شراع بلا سفينة كأنني ليل بلانجوم ، اسمعيني أنا هنا ، وأعترف لك بكل أمانة .
شعر بدوار وألم يأتيه بجهة اليسار من المعدة . على جانب رصيف مظلم ، عبارات السّباب كثيرة من أصحاب السّيارات الأخرى منها : حاسب ياأعمى !
دقّ إشارة ياثور !
تذكّر لم يتناول سوى قربة المغذي ..
– ضرب كفاً بكفٍّ (مشكّل صغير) لوسمحت ..
– رد عليه عامل البوفيه من أصل عراقي :
– ممنون لأبي منصور إنت تأمر أمر ..داآني أحترمك كثير ياأستاذ ..
تناول النصف من السندوتش و عند محاولته القيام من كرسي البوفية ، لمح بطريق الصدفة رجلاً يلبس نظارة سوداء لبسه قريب من اللّباس الغربي ..
سحب كرسيًّا بلا استئذان ، وتكلّم بكلام مختصر.. إلى سعيد :
– جولاتك مريبة ، وتحقيقاتك صداع مستمر ..انتبه لنفسك !!
– إذن أنت تراقبني ياسيّد ، ومن مدّة طويلة !!
– لم يرد عليه.. خرج بسرعة من البوفية .
– الحيرة تنهش ذاكرته الضّعيفة أصلاً من المرض .
– يفسّر الحديث المختصر ، ويعجز عن حلّ ألغازه :
– من هذا ؟
– ولماذا يراقبني من بعيد ؟
– هل هي صدفة أو من قرّائي مثلاً ؟!
– حتّى أخي الوحيد يحذرني : ابعد عن المشاكل ، واترك المثاليات .
اقترب الموعد لهذه الليلة الأخيرة على الأقل ريثما يطويني هذا الطريق ، وأصل إلى شقتي ، وأنسى تفاصيل اللقاء .
صورة أخيرة من حواري مع رئيس التّحرير بعد اللّقاء الغريب :
– أنت أدرى !!
– لكن لماذ ياحضرة المدير يتم تحويلي إلى العمل الاستشاري بعد كل خدمتي في مجال صاحبة الجلالة ، فأنا عاشق ومتيّم بهذه المهنة ، ودرجات أدائي الوظيفي بالجريدة تشهد لي بذلك ..
– أنا داري لكن مرضك يؤثّر على عملك في المستقبل ..
– يعني أخذتموني لحم ، وأرمى عظم ..
– تعرف أنّ المستشار لايهشّ ولا ينشّ يعني تقاعد بأسلوب مؤدّب .
– رفع سبّابته إلى شفتيه ، تيسّر والأمر من فوق !!

( 2 )
تأمّلت هذه اللّيلة يازوجتي ، فوجدتها ليلة الوفاء ، قالت :
أهان الحب لديك إلى هذا الحد حتى تطلّقني طلقة واحدة..تتركني مهمومة حزينة ، وتذهب إلى استراحتك البعيدة ، ولماذا استراحتك بالذات أما قلت : أنها مملّة ، وروتين قاتل ؟
حوار للنكد.. ، وشريط سابق من الذكريات المؤلمة ..لاينسى سعيد منصور نصيحة زميله الخاص بالاستراحة بعد نحنحته المعتادة .
– أسمع ياسعيد : ترى الحريم لاتأخر الإنجاب عندهن ، تخاف من زوجها أكثر من الحرامي .
– لماذا ؟!
– كيف لماذا ؟ والحريم حولها اربطي الرّجال قبل تأخذه امرأة أخرى .
– لا، وبعد طلّقتها طلقة واحدة ، وبقيت رصاصتين ..
أخيراً وجد شارع الياسمين ، وركن السّيارة قريباً من باب الشّقة .
حرك مفتاح الباب ، وفتحه بحذر حتّى لاتستيقظ زوجته إن كانت نائمة .
رائحة البخور العطر النّفاذ تتسلّل إلى أنفه عندما اقترب من غرفة زوجته .
شيلة شعبية ، وتتغنّى بها ..أظفارها تلعق السّائل الاحمر منهمكة هي ، انتهت من أصابع يديها ، والآن بدأت بأصابع الرجلين ..الفستان أحمر اللّون وجميل مثل سائل المناكير ..
– مساء الخير ..
– بشّر ، وش قال الدكتور ؟
– اقتربت منه ، ومدّت يديها معتادة على حمل ثوبه وشماغه ..
– لا ، سأعود هذه اللّيلة ..
– لكن لماذا ؟! الروج الأحمر ، والمناكيرالحمراء ، والفستان الأحمر ، ألا يغريك كل هذا ؟!
– نا مصاب بورم في القولون ..
– تجمدت قليلا ثم ضحكت ضحكاً شديداً من الصّدمة أو من الصّعقة ، فقد تضحك النّساء أمام الموت بلا شعور !!
رجعت لفراشها مصدوعة الفؤاد أمّا سعيد فعاد إلى سيٌارته ، وهو يلهث ويبكي بكاءه المكتوم .

( 3 )

في صباح اللّيلة الأخيرة كان كالمقعد البليد على الفراش .
يبتسم بكثرة ويتجهّم كذلك ، وهو يتلقّى جرعات مقنّنة ، ومقسّمة على أيام محددة .
أمام زجاج غرفته الّتي يتعالج بها ، وقفت زوجته كالمسترحمة ، كمّامه على وجهه للأسف الشّديد ، فقد أطلق الرّصاصتين ، وعذره في ذلك : اعتدت على كراهيتها..ومللت تفكيرها !!
قام من مكانه ..أطبق أصابعه الخمسة على أصابع زوجته بالضّبط ثم كتب على الحاجز الزّجاجي بينهما أنتي طالق ، وبجانب الكلمة رقم أثنين .

( 4 )
ليس لديّ ماأقوله ، انتهت القصّة ، وأخاف من ردّة فعل بطل قصّتنا كاتب التّحقيقات الشّهير سعيد منصور ، فقد يرفع ضدّي قضيّة ، وأذهب لمحكمة الإدّعاء والتّحقيق رايح ..جاي !!

فبراير 5th, 20181235

اكتب تعليق