يـا خـبـرة ..!
الكاتب : صالح جريبيع الزهراني

 

تخيَّل أن يقوم رجل أعمال بابتعاث ابنه على حسابه ليدرس الاقتصاد والتجارة في أفضل جامعة أمريكية(ويكعّّ)عليه مئات الآلاف من الريالات..وبعد أن يتخرج ويعود إلى وطنه وإلى أبيه..يرفض أبوه توظيفه في شركاته بحجة أنه لا يملك الخبرة.

هل استغربتم؟!
لا تستغربوا..هذا ما تفعله وزاراتنا وجامعاتنا ومستشفياتنا ومطاراتنا وشركاتنا الحكومية وشبه الحكومية إلخ..مع أبنائنا الذين يعودون من هارفارد والسوربون وغيرها بشهادات الماجستير والدكتوراة فكيف بخريجي جامعاتنا؟!
(الدولة) تبتعث أبناءها لأفضل الجامعات في العالم وتصرف عليهم مليارات الدولارات سنوياً..ثم تأتي قطاعات تابعة(للدولة)نفسها فترفض توظيفهم بحجة أنهم لا يمتلكون الخبرة العملية..وتوظف مكانهم مجموعة من الأجانب.

والسؤال الذي يجب أن نصرخ به عالياً في وجه كل وزير وكل مدير جامعة وكل رئيس قطاع حكومي أو شركة حكومية..هو:(من أين أتيت أنت بالخبرة ومن أين تريد أن يأتي بها شبابنا؟!)
هل أتيت بها من السماء..أم أن الدولة هي من أتاحت لك الفرصة لاكتسابها؟!
أما خبرة شبابنا فمن أين تريد أن يأتوا بها؟!
هل يأتون بها من الرصيف الذي يبيعون فوقه شاي الجمر بعد أن(حديتهم)عليه؟!أم من شركات الأجرة أم من حلقة الخضار أم من شاحنات الطعام المسماة(فود ترك)أم من حلقة الغنم؟!

من أين يأتي لك خريج سعودي جديد من كلية الطب أو الهندسة أو التقنية وغيرها بخبرة يا(راعي الخبرة)إذا لم تتح له العمل والتدريب من الأساس؟!
من أين يأتي لك بالخبرة وهو لم يزور شهاداته مثلما زورها لك(أحبابك)الأجانب الذين تكتشف كل يوم(شلقة)مزورين منهم..مرة أطباء ومرة مهندسين ومرة فنيين ومرة أستاذة جامعات وكليات ومدارس..وفي كل قطاع تقريباً.

من أين يأتي لك بالخبرة وقطاعك الخاص..الذي يوظف الجزارين الأجانب كأطباء والسباكين كمهندسين والسائقين كخبراء اقتصاديين وخريجي الثانويات كمستشارين..يشترط على السعودي سنوات خبرة أكثر من التي تشترطها أنت يا(أبو خبرة)ويزيد عليها شروطاً أشبه بالطلاسم ووصفات(المشعوذين)التي لا يمكن فهمها ولا إحضارها.

المملكة العربية السعودية دولة ناشئة..وهي في أمس الحاجة لاستثمار طاقات وجهود أبنائها..وتأهيلهم للمستقبل..وقد فعلت ذلك عبر التوسع في افتتاح الجامعات في الداخل والابتعاث للخارج..وتفريغ من هم على رأس العمل للدراسة..وكان يجب أن تتظافر الجهود لتوظيفهم بدلاً من تكديسهم على رصيف البطالة..وإكسابهم الخبرات العملية بدلاً من إكسابهم الأمراض النفسية..وتسليمهم دفة العمل والتغيير في وطنهم بدلاً من اضطرارهم للهجرة بحثاً عن العمل..من أجل(عيني)الأجنبي الذي أصبح هو من يوظف السعودي في وطنه ويقوم بفصله من العمل.
إنني لا أكاد أصدق أن أجد سعودياً يحمل شهادة الدكتوراة ويعاني من البطالة..لماذا؟!ومن أجل من؟!
ولا أكاد أصدق أن يعاني مليون سعودي من البطالة وبيننا أكثر من تسعة ملايين موظف أجنبي..ويتكرر السؤال:لماذا؟!ومن أجل من؟!
لا أكاد أن أصدق أن يأتي أجنبي(شبه أمي)إلينا وتتاح أمامه كل الفرص وتفتح أمامه كل الأبواب(ليتعلم فينا)من مبدأ المحاولة والخطأ وكأننا فئران تجارب حتى يكتسب الخبرة بعد سنين من(قحف جلودنا)ثم يكون شرط الخبرة أكبر عائق أمام توظيف الشاب السعودي المؤهل علمياً على الأقل.

أخيراً..فإنني أناشد مقام سمو ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان..قائد التغيير وعراب الرؤية الوطنية..أن يسقط شرط الخبرة(نهائياً)أمام توظيف الشباب السعودي سواءً في القطاع العام أو الخاص..وأن يكون التأهيل العلمي هو الشرط الوحيد..وأن تكون الأولوية لهم باستمرار عبر توحيد منصة طالبي الوظائف وطالبي الموظفين..ولا يتم منح(تأشيرة)للجهة الطالبة إلا في حالة واحدة..وهي عدم وجود سعودي يسد الاحتياج..على أن تقوم جهة التوظيف بتدريب الموظف وإكسابه المهارات اللازمة(الله لا يهينها)مثلما فعلت عبر سنين مع الأجانب..وأن يكون تقييم الموظف الذي يبنى عليه استمراره أو الاستغناء عنه وفق معايير معروفة تتعلق بأدائه لا وفق معيار الربح والخسارة وابتزاز الدولة بطلب الدعم وتخفيض النسب كما يحصل الآن..أو وفق مزاج المدير أو صاحب العمل.
كما أهيب بشبابنا بأن يدركوا أن المرحلة المقبلة هي مرحلة جد وكد وصبر ومثابرة واهتمام باكتساب المعرفة والخبرات والمهارات..ولا مكان للضعيف أو الكسول أو المتواكل فيها..وفق الله الجميع.

صالح جريبيع الزهراني

فبراير 17th, 20181233

اكتب تعليق