عندما تذبل الزهرة
الكاتب : أ - سلطانة السلطان

 

أمام بوابة إحدى المستشفيات و في إحدى ليالي الشتاء الباردة وجد الحارس طفلةٌ بعمر الزهور تقف أمامه و الدم يغطي بعضاً من جسدها و الألم يعصف بها و كانت ترتجف برداً و وجعاً و هي تبكي ، رفعت يدها إلي الحارس مستغيثه ، ولكنها سقطت مغشياً عليها.

فدُهِش الحارس وركض إليها و بحث وهو يحملها عن من أحضرها ولكن لا يوجد أحداً و لا يعلم من أين أتت ؟؟
فحملها راكضاً إلى داخل طوارئ المستشفي فبقيت في غيبوبة ليومين نتيجةً لكسرٌ في الجمجمة بالإضافة إلى كسور متفرقة بيدها وحروقٌ متفرقة في أنحاء جسدها وفي رأسها نزيفٌ في العين أنفٌ محطم أسنان قد سقطت من شدة الضرب ، يالله إن هذه الفتاة تحملت وحشيةً بشرية لا يمكن وصفها.
ولكن كيف ؟!
ولماذا لم يبحث عنها أحداً ؟؟
تملكني الألم والحزن الشديد عليها حتى أنني جلست بقربها ساعات بعد إنهاء عملي لأطمئن عليها .

وبعد عدة أيام بدأت تفيق و يشرق وجهاً كالقمر طفلةٌ جميلةٌ رغم الجراح
و الحروق في العاشرة من عمرها نحيلةٌ وهزيلةٌ جداً و شعرها قد قص بطريقة بشعةً تلك البريئة إسمها “زهرة ” وهي حقيقةً كالزهرة رغم أنه قد بدا على ملامحها الذبول .
تلك الزهرة سُرِ قت حياتها و طفولتها و قُطِفت و رُميت حتى ذبلت…
خلال وجودي معها في إحدى جلسات العلاج حيث كانت قد بدأت تتعافى و تلعب بالألعاب والهدايا التي ملئت غرفتها و أسعدتها كثيراً إلا أنها لم تستطيع أن تتجاوز حزنها بسهولة فالجرح عميق ٌ في ذاكرتها و قلبها الطيب الصغير لا يستطيع أن يلملم جراحة لوحده .
قالت لي بهدؤ يخنقه عبرةٌ بريئه :
كان لي أخاً كالشمس يدفيني وكالقمر يضئ ليلي كان فرحتي رغم حزني و ألمي ، كان يدافع عني عندما تضربني زوجة والدي ويمنعها بقوة ، فكانت ترد عليه فتضربه بوحيشة .
و كان عندما يخرج لبيع المناديل يشتري لي الحلوى و يخبئها عن والدي و زوجته و يعطيني إياها سراً فكانت فرحتي وسلوتي بعد الحزن فتتعانق دموعي التي كانت لا تفارقني بضحكة ٍ أكتمها كي لا تسمعها زوجة والدي فتسرقها مني.
كان أخي عندما تحبسني زوجة والدي بدورة المياه و أبقى بلا طعام وقتاً طويلاً يعطيني بعض الطعام من تحت الباب و كان يجلس أمامه بساعات يرفض أن يتحرك يحدثني و يطمأنني طوال الليل فهو يعرف أنني أخاف من الظلمة و الوحدة .
إنه شقيقي “أحمد” ذلك البطل الذي كان لي الأب والأم والأخ وكل شئ يكبرني بعامين يرونه طفلاً و أنا أراه رجلاً عظيماً …
توفيت والدتي في السنة الماضية فتزوج والدي، و زوجته جعلتنا خدماً لها و عذبتنا كثيراً و والدي لا يمنعها أبداً ، ولكن أحمد تعب ورحل وهو قد وعدني بأنه سيكبر بسرعة و يعمل و يأخذني معه لنعيش سويةً .
لماذا ذهب وتركني لوحدي؟
كيف يخلف بالوعد ؟
فسألتها ،،، إين رحل؟!

فقالت : أعتاد والدي بعد وفتاة والدتي أن يجعل أحمد يبيع المناديل في الشارع بعدما أخرجنا جميعاً من المدرسة وبتدبيراً من زوجته التي كانت تأخذ كل ما يحصل عليه أحمد لها وحدها ، ومنذ شهر في ليلةٌ شديدة المطر و البرودة كان صوت الرعد مخيفاً و البرد قارس فخاف أحمد أن يخرج ليبيع المناديل تلك الليلة ،
و لكن زوجة والدي صرخت عليه وهددته فخرج وهو ينظر لي نظرة حزينةٌ ثم أبتسم و قال : مع السلامة يا “زهرة “.
خشيت عليه كثيراً و أنا أسمع صوت الرعد يزداد والبرق يتخاطف و المطر شديد وهو لم يعد إلى منتصف الليل فخرج والدي يبحث عنه وأنا أقف أمام باب منزلنا و طال إنتظاري وأشرقت الشمس و لكنها كانت تغيب في عيني حيث أقبل والدي دون أحمد، فنظر والدي لي وقال : أحمد صدمته سيارة مسرعة وهو يقطع الشارع في المطر فمات وأنتثرت المناديل تغطي الأرض بالبياض …
و ياليت والدي لم ينطق أبداً .

وتوالت الأيام و تزداد زوجة أبي قسوةً فقد أصبحت تقص شعري من كل جهة حتى تشوه حتى أنها كانت تحرق رأسي بملعقة ساخنة …

وفي إحدى الليالي كان والدي مسافراً و سقط منى صحن وأنا أغسل الأواني فأنكسر فهبت علي ضرباً لم أشاهد مثله أبداً و رمتني خارج المنزل في منتصف الليل وهي تصرخ : إرحلي كما رحل أحمد ، و أغلقت الباب بقوة ..
جلست على عتبة الباب وتعلقت به كأنني أتعلق بما بقي لدي من أملٌ بالحياة وأنا أرجوها أن تفتحه ولم يرد على سوى صدى صوتي فأخذت أنادي
” أحمد … أحمد” .

وفجئةً مر رجلٌ كبيراً بالسن في سيارته و وقف ونظر إلي ورحم خوفي و ألمي و دمائي التي غطت وجهي و سألني و لم أستطع أن أتحدث فأسناني مكسرة و الألم شديد و الحديث صعبٌ …
ماذا أقول ؟
وكيف أشرح له أنني أنادي أخي المتوفي الذي كان أخر رمقٌ لي في الحياة ؟!

فأخذ يطرق معي الباب و ينادي معي على “أحمد ” و لكن الأموات لا يجيبون و ياليت ” أحمد ” فتح لي قبره لأنام معه للأبد .
ولكن ماذا افعل؟
فحملني و وضعني بسيارته وقال لي :إسمعي يا إبنتي سأخذك إلى مستشفي كبير و هناك سيهتمون فيك و سأنزلك بهدؤ في الظلام وسأرحل وأنت حاولي الوصول الى داخل المستشفي وهناك ستجدين الراحة بإذن الله …
وها أنا ذا في المستشفي ولأول مرة أشعر بالحب والراحة منذ وفاة والدتي .
فنظرت لها و كأنني أعيش في كابوس وسأفيق منه ليس حقيقةً ما سمعت ..
أيعقل أن تموت الضمائر و الأحاسيس و تسود القلوب على أطفالٌ لا حول لهم ولاقوة ..
حبيبتي “زهرة ” ألتقيت بك منذ سنوات طويله كنت حينها في بداية حياتي بالعمل لن أنساك ولن أنسى قصتك أحببتك كثيراً فما أجمل برائتك بالرغم أنها مزقتها الحياة .
لن أنسى حينما ودعتك وأنت تخرجين من المستشفي تحت رعاية دار الرعاية كان يوماً حزيناً لي .
زهرةٌ ذبلت و لكن جذورها أرتوت بالحب حينما وجدته ،،
ورغم ألمها لملمت جراها و تفتحت وأزهرت من جديد و شذاها عطر الكون ببرائةٍ جميلة ٌ تشع من مقلتيها ..

سلطانة السلطان

أبريل 14th, 20181686

اكتب تعليق