من أجـل الــوطن
الكاتب : الدكتورة فضيلة العوامي

لا أَجِد عبارة أدق من وصفي لبلدي السعودية بأنها الحضن الدافيء الذي نعود إليه مهما إبتعدنا ومهما أخذنا العقوق والعصيان
الوطن هو أب المواطنين جميعاً وأمهم الحنون ومأوى وبيت الجميع بدون إستثناء على إختلاف مذاهبهم ومشاربهم .

بعد فترة بسيطة من إنضمامي إلى اللجنة الإستشارية وفريق عمل برنامج الرعاية والتأهيل (بناء) وهو فرع من برنامج الأمير محمد بن نايف للمناصحة في الرياض التابع لوزارة الداخلية .

برنامج الرعاية والتاهيل هذا تشرف عليه إدارة مباحث الدمام يستفيد منه بعض المواطنين الشيعة من المحكومين في جرائم أمنية في أحداث العوامية والقطيف أسوة بإخوانهم السنة المستفيدين من برامج مشابهة حيث كان دوري ودور زملائي وزميلاتي من العاملين في المجال النفسي معي من مختلف مناطق القطيف والأحساء فيها إنساني بحت ، ليس تطوعاً ولا خدمة مني أو منهم لكنه بتكليف من الدولة لنا لتقديم رعاية ماقبل الخروج للمستفيد الذي أنهى محكوميته وشارف على الخروج رغبة منها في إصلاح وترميم ماخلفه التمرد على الوطن و مخالفة النظام من ضرر على المستفيد وأهله..
من مهام عمل الأعضاء اللقاء  بالمستفيد نفسه قبل خروجه في جلسة الغرض منها تشخيص حالة المستفيد إن كان يعاني من أمراض نفسية أو اضطرابات شخصية أو إدمان والحديث عن مشاكله الاجتماعية والسلوكية التي أدت به للوصول إلى هذه النهاية الأليمة  والعمل  على معالجة تلك الاضطرابات وحل مشاكله الإجتماعية
كذلك يتم عمل خطة تأهيلية كاملة لإكسابه المهارات الإجتماعية والنفسية وتعزيز قيم المواطنة الصالحة و تقبل الأخر والإختلاف لديه
كما يتم دعوته بعد إنتهاء محكوميته للإقامة في فندق خمس نجوم هو وإن رغب بوجود زوجته أو أفراد أسرته معه لمدة إسبوعين يتم خلالها إلحاقه ببرنامج مكثف يتم خلالها إكسابه المهارات الإجتماعية التي تؤهله ليكون مواطن صالح يفخر بوطنه ويفتخر وطنه به .
ومساعدته في التخلص من عبء الخوف من البطالة وغيرها من المشاكل  ومساعدته في الحصول على عمل بعد الخروج عن طريق اللجان المسؤولة عّن ذلك .
خلال تلك الفترة البسيطة التي عملت بها في البرنامج لم أرى أحداً منهم ثبت على موقفه ولَم يندم على ماضاع من عّمره بسبب ماقام به من جرائم في حق نفسه ومجتمعه وخرق للنظام ..
بغض النظر عن الأسباب والمسببات فهي كثيرة إلا أن تلك
الجرائم الإرهابية أخذته بعيداً جداً عن مستقبله وعن أقرب الناس إليه والديه وزوجته وأولاده وأصحابه وعن كل مجتمعه وعن الحرية التي هي أثمن مايملكه الإنسان والتي كانت جوهرة ثمينة ،  كان يبحث عنها في شعارات مزيفة وهي في يده لكنه ضيعها  وجعلها تتسرب من يديه كتسرب الماء من بين الأصابع …
سنوات يقضيها السجناء داخل السجن شيعة وسنة ومن كل مذهب متعايشين مع بعضهم البعض حتى من دخلوا السجن كدواعش كان غرضهم التفجير في إخوانهم الشيعة بإيعاز من دول خارجية غرضها شب نار الفتنة بين المواطنين ومن ثم إتهام الدولة نفسها أنها من شجع وعزز للإرهاب داخل الوطن إلا أنهم للاسف بعد أن ضاعوا فهموا اللعبة متأخراً .
منزلق خطير وحفرة عميقة أوقعوا أنفسهم فيها ليتعلموا بعدها التعايش داخل السجن بعد أن أخذ منهم السجن ما أخذ وسرق منهم الإرهاب ماسرق .
الإرهاب الذي  حرضهم على بعضهم البعض وصور لكل فئة منهم أن الوطن لايعيش فيه سواه وأن الجهاد هو الشعارات والقتل والتدمير والعبث بمقدرات الوطن وخيراته..
أما مهمتنا الأخرى فكانت الإلتقاء بأسرة المستفيد في الفندق لدراسة مشاكلهم ووضعهم الإجتماعي وحل مشاكل البطالة والفقر والخلافات والتفكك الأُسَري إن وجد والتعرف على بعض الأسباب التي جعلت أبنائهم ينتهون هذه النهاية التعيسة لمعالجتها حماية لباقي أفراد العائلة ..
أعلم وأقدر أنه من الصعب جداً على بعض الآباء والأمهات والأسر أحياناً الإعتراف بخطأ الأبناء في حق أنفسهم وفِي حق وطنهم ومجتمعهم لكن الإنكار هو أحد الدفاعيات النفسية التي يستخدمها عقل الإنسان الباطن ليحمي بها نفسه من مواجهة الواقع المؤلم لكي يظل في نظر نفسه ذلك القوي الذي لم يخطئ ،  بل غيره الذي أخطأ في حقه فلا يستطيعون مواجهة واقع الإبن الذي إنحرف عن جادة الصواب والذي كان هو نفسه سبب ضياع مستقبله ودمار نفسه ودمار أسرته وليست الدولة من فعل ذلك  به ..
ولا أعلم كيف استطاع العدو أن يخترق هؤلاء  الذين ظنوا أن الجهاد والإصلاح هو في محاربة الدولة والقتل والفساد وخرق القوانين بينما بعضهم لديه والدة أو والد مقعد وبعضهم لديه من الأولاد سبعة وثمانية أو أكثر أنفصل عنهم خلال فترة محكوميته سنوات وسنوات .

ألم يكن أولى به الجهاد على والديه وأهله والإستفادة من خيرات بلده ومقدراته العظيمة لو تم تدارك الخطأ مبكراً؟
حرياً بِنَا كاآباء أن نربي أولادنا على المواطنة الصالحة وحب الوطن لكي لا نكون نحن وأولادنا ثغرة في صدر الوطن يخترق العدو بلادنا منها ويحقق مآربه فيها من خلال من قدموا التطرّف الديني والعقائدي على حب الوطن .
مالذي يدعو الدولة لمساعدة السجين وأهله والبحث له ولبعض أفراد إسرته عن عمل  والعمل على ترميم منازلهم إن كانت متهالكة ومساعدته في العمل والزواج إن لم يكن رغبة منها في الاصلاح بالاضافة إلى فرض  النظام فلا تكن الدولة الحقد والعداء لأحد كلنا متساوون تثيب المصلح منا وتعاقب المفسد  ..
بالطبع لا يود أحد منا أن يحصل هو أو أحد أفراد أسرته على خدمات من هذا النوع كمساعدة لإبن سجين بينما بالإمكان التمتع بخيرات الوطن بالعمل والجد والإجتهاد والصلاح بدون التعرض لتجربة السجن المؤلمة .
وذلك لان هدف الدولة من خلال هذا البرنامج هو إصلاح مافسد بينما هدفها الأسمى  هو أن لايحدث الفساد من الأصل .

واجبنا جميعاً كمجتمع سعودي أياً كان إنتمائنا المذهبي أن يكون حبنا للوطن فوق كل إعتبار ..
السعودية بلد الجميع السعودية بلدي ولي الحق فيها كأي مواطن سعودي أخر القطيف وطني والقصيم وطني والشمال وطني والجنوب وكل شبر في المملكةوطني ،،
وطني لا يختصر  بقرية أو مدينة فكل المدن في المملكة مدني وكل مواطن صالح فيها يمثلني وأستنكر عمل كل فاسدٍ فيها حتى لو كان إبن قريتي أو لحمي ودمي فلا دم إلا دم الوطن ولا لحمة سوى لحمة الوطن..
كلنا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات ومن أهم واجباتنا هي أن نعلم أبنائنا حب الوطن والدفاع عنه حتى لاتتكرر تلك الأحداث مرات ومرات
فالواقع يقول أن الطائفية والأعلام الإيراني الخارجي في عام ١٤٠٠هـ سعى لنشر الطائفيه وتصدير الثوره من بلدهم إيران وسعوا إلى نشر الفوضى في السعودية والخليج العربي وكان أهلنا في القطيف ينعمون برغد العيش وكثير منهم كانوا يعملون في مجال البترول في شركة آرامكو في ذلك الوقت إلا إن بعضهم وقع ضحية التطرّف المذهبي في ذلك الوقت ،
هؤلاء هم أنفسهم للأسف كما أخبرني بعضهم في لقائي لهم كآباء لمستفيد من برنامج الرعاية والتأهيل تغيرت الأدوار وهم حالياً الآباء ،فهو سجين أمني سابق لإبنٍ سجين أمني حالي فماذا ننتظر بعد هل ننتظر ان يأتي دور الأحفاد ؟؟
نحن نريد العيش في وطننا بسلام لا نريد أن تعاد هذه الأحداث مرات ومرات ونريد العيش في هذا الوطن الآمن بسلام ببساطة لانك كمواطن قادر على العيش بدون أمك وأباك وبدون كل أهلك لكنك لا تستطيع العيش بدون وطن ..
واجبنا أمام الله والإنسانية ان نحصن أطفالنا منذ الصغر بحب الوطن والإنتماء إليه وأن نكون أنفسنا كمربين معلمين لأبنائنا وقدوة داخل البيت وأن ننبذ التطرّف والكراهية حتى لايمارسها أولادنا خارج المنزل وفِي مواقع التواصل الإجتماعي وحتى لايكون إبنائنا صيدٌ سهل يسهل إقتناصه لخيانة الوطن وان نحضهم على التسامح وتقبل الآخر وقبول الوطن بجميع أطيافه .
لنعلم أطفالنا أن الوطن نعمة وإن الأمن والأمان ليس شعاراً رنان نتغنى به وإنما هو سلوك يتعامل كلن منا به مع الآخر فالمسلم هو من سلم المسلمون من لسانه ويده هذا هو الأمن والأمان على مستوى الفرد والمجتمع الصغير وعلى المستوى الاكبر هو سيطرة الدولة على النظام  والقانون بحيث تكون هي صاحبة اليد العليا الآمر الناهي الذي يحقق العدل والمساواة  على مستوى المجتمع ككل لافرق بين مواطن وآخر .
وليس للدولة هم سوى نشر الأمن والأمان في جميع أرجاء الوطن وهي النعمة التي يحسدنا عليها ملايين البشر وصدق رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال : (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)
الدكتورة /فضيلة العوامي

أبريل 29th, 20182408

اكتب تعليق