أنا تركني الجسر ،،
الكاتب : أ - ناصر الشمري

 

1

– أنا هاني ياأبي !!
– غرفته جميلة على السَّطح في ببتِ والدهِ مكانها في الزاويةِ ، سقفها من الحديدِ المقوَّى ..
– سريرٌ حديديٌّ خطوطهُ على شكلِ بقلاوة ، وكرسيٌّ بجانبهِ قطعةٌ من الفرشِ الَّلين اشتراها له والده ..مساحتها ٤×٥ م
– كبت أسودُ اللَّون لملابسهِ
– جدرانُها من البلكِ المدهونِ فقط هناك قشورٌ بجانبِ بابِ الغرفةِ..
– نسيتُ البابَ من الخشبِ في وسطهِ فتحةَ قلبٍ مزججٍ أمَّا أسفله فيوجدُ فتحةً مستطيلةً الشَّكلِ تسمحُ بدخولِ كاملَ اليد ، وطبقِ الطَّعامِ منها .
– أنا هاني ياأبي ، ولااستحقُّ منك أن تحبسني في غرفةِ العقابِ هذهِ .
– كنتُ أتمنَّى أنْ أصبحَ تاجراً للسَّيَّاراتِ ، فأنا أحبُّها من صغري ، وأحبُّ الهدايا عندي كانت السَّيارةُ ، قالَ أبوه من وراءِ البابِ : أعلمُ ذلك لكن لن تخرجَ من الغرفةِ حتّى تكتملَ رجولتك ، وتسمعُ الكلامَ ، ولاتبدي رأيك ، وتكون مثل إخوتِك انظر إليهم !!
– أذكِّرك حتَّى أمَّك لن تتدخَّلََ بالموضوعِ ..
– خذْ طعامَ الغداءِ بالهناءِ والعافيةِ ، ولاتنسَ التَّسميةَ ، ولاتعطِ الباقيَ لقطَّتك البيضاءِ فهمت ..
– ابتعدتْ خطواتَه الثَّقيلةَ على قلبِ هاني ، وهو يكرِّرُ : سآتيك بالعشاءِ في الَّليلِ .
– عادتُه تناولَ طعامهِ على الفرشِ اللَّين ، هذه المرةُ تناوله على سريرهِ ، طبقه نحاسيٌّ مثلَّثُ الشَّكلِ ، ثلثٌ للأرزِّ الأبيضِ ، وثلثٌ للفاصوليا الخضراءِ ، وثلثٌ لفخذِ دجاجةٍ مسلوقٍ ..
– يمضغُ اللُّقمةَ الأولى قبلَ ازداردِها ثمانٍ وعشرين مرَّة تعافُ نفسهُ الطَّعامَ بعدها مع ألمِ المعدةِ المستمرِّ عندَ كلِّ أكلٍ يطعمهُ..
– يعيدُه بشكلٍ دراميٍٍّ من تحتِ البابِ استجابةً لقطَّته البيضاءِ ، لقد شمَّت الرَّائحةَ ..
– هو الأوسطُ في ترتيبِ العائلةِ ، يعجبه ترتيبه ، وخطَّ الجدارِ المصدوعِِ من الوسطِ متعرِّجاً كالحيَّةِ .
– كلُّ يومٍ يتتبَّعه وحده من أوَّلِ الجدارِ المصدوعِ لنهاية حلمه المصدوع ، تمرُّ منه جيوشُ النَّملِ الصغيرةِ من غيرِ مللٍ في أكثرِ الأحيانِ يتلذَّذُ بقتلها بدفترٍ قديمٍ عنده يطويه بشكلٍٍ مخروطي ..
– المصباحُ يتدلَّى من سلكهِ كالمشنوقِ بجانبِ مروحةِ السَّقفِ القزمةِ .
– ذهبَ لكبتِ الملابسِ ، وأخرج بعضها مكرمش ، وبعضها مكوي ..
– اللَّيلةُ مستعدٌّ هو لأكمالِ ماعزمَ عليهِ .
– كانت أمُّه تعرفُ ماسيحصلُ له لكن لاتسطيعُ فعلَ شئ ، تقفُ في المكانِ الذي يريدها جلالٌ أن تقفَ بهِ .
– الحقيبةُ زادَ وزنها ، ومن القلبِ ينظرُ ثمَّ يعودُ ، ويردِّدُ : لم يأتِ بعد ..
– ماإنْ سمعَ بخطواتِ أبيه الكريهةِ حتَّى جلسَ جلوسَ التَّشهدِ في الصَّلاةِ ، خذْ طعامك ياهاني ، تشبَّثَ بيدِهِ تشبُّثَ السَّجينِ بالمفاتيحَ والحرِّيةِ ..
– من غنائمَ المعركةِ :
خاتمهُ ، ومفتاحُ الغرفةِ اللَّعينةِ بهدوء سحبَ حقيبتهُ ، وفتحَ البابَ لأوَّلِ مرَّةٍ يشمُّ نسيمَ الحرَّيةِ ، والهواءَ العليلَ ..
– سألحقُ بأبي الهاربِ ..الدَّورُ الثَّاني كلُّه غرفٌ لإخوانهِ الثَّلاثةِ ، وصالةٌ في المنتصفِ طاولةٌ دائريةٌ للطَّعامِ والاجتماعاتِ ، يوجدُ أربعُ كراسي :
– الكرسيُّ الأوَّلُ في الوسطِ فخمٌ وعريضٌ مكتوبٌ على ظهرهِ الأبُ ..
– الكرسيُّ الثَّاني على يمينِ الأوَّلِ متواضعٌ مكتوبٌ على ظهرهِ الأخُ1
– الكرسيُّ الثَّالثُ على يسارِ الأوَّلِ ذليلٌ مكتوبٌ على ظهرهِ الأخُ 3
– الكرسيُّ الرَّابعُ أمامَ الأوَّلِ مائلٌ قليلاً ، ومكتوبٌ على ظهرهِ الأخُ 4
– أين كرسيُّ الوالدةِ ، وأنا هاني ؟
– ملاحظةٌ مهمَّةٌ وقديمةٌ في سجلِّ هاني جلال :
– وضعَ الدُّكتورُ النَّفسيُّ قدمه اليمنى على اليسرى ، واستلَّ سيفَه الباركر ، أوراقَ دفترهِ المسطَّرِ ، نظارتُهُ على أرنبةِ انفِه ، وشاربهُ الممسَّدُ الكثُّ ، قال بابتسامةٍ مصطنعةٍ :
س1 / مااسمك ؟
ج / هاني جلال ..
س2 / مامشكلتك ياهاني؟
ج / مشكلتي الأزليةُ أبي جلال رمزُ الكرمٍ ، معروفه شاملٌ على كل أحد خارج البيت أما نحن فلا.. !!
س 3 /ماهواياتُك ياهاني ؟
ج / قراءةُ الأدبِ ، الرِّواياتُ ، والأديب المفضَّلُ عندي فرانز كافكا .
س 4 / كم عدد إخوانك ، وهل يعانون نفس ماتعانيه ، أقصد هل يتفاعلون مع ابيهم ، ويعترضون أم لا ؟
ج / أربعةٌ أنا أوسطهم ، نعم اعترضوا ، ومروا على غرفةِ السَّطحِ الشَّهيرةِ عند الجيرانِ والأقاربِ بعدها أصبحَ الأوَّلُ يتلفَّتُ كثيراً بمناسبةٍ وبدونِ مناسبةٍ .

– الثَّاني ينتزعُ شفتهُ السُّفلى اليابسةَ بعنفٍ إن كان قلقاً ، وبهدوءٍ إذا كان ساهياً .
– الثَّالثُ يقظمُ أظفارَهُ حتَّى يصلَ إلى اللَّحمِ الحيِّ ..
– انهى الدُّكتور الجلسةَ بطلبٍ من والد هاني بحجةِ المللِ من الانتظارِ ..
– تذييل : هذه أوَّلُ وآخرُ جلسة انتهت في ! / ! / !!!! بمجرَّدِ مااطَّلع جلالُ على دفترِ الطَّبيبِ . !!

(2)
– حسبتُهُ وتعقيداتِها متروكةٌ للزَّمنِ ، انزلقَ كدمعةِ يتيمٍ نسيتهُ
الأماني ..السُّلَّمُ..الدُّورُ الأوَّل الأرضي ..البدروم ، قال بعد أن حك جلدةَ يدِهِ :
وجهتي إلى الجسرِ سأكونُ الأوَّلَ مهما كلَّفَ الأمرُ لكن أين البابُ ؟
– على قدمي أمشي تتبعني قطَّتي البيضاء أحياناً ، وأتبعها ، القططُ لها قدرةٌ على الخروجِ من المكانِ الضَّيقِ ، فكيف بهذا البدرومِ الَّذي لاأدري كيف دخلتُهُ ؟!
– المهمُ تبعتها حتى خرجتْ من نافذةٍ أكلها الصدأُ من مياهِ الأمطارِ ، لم تتركني وحيداً حفظتْ المعروفَ ، وهيَ حيوانٌ !!
– يدي تجرُّ مقبضَ الحقيبةِ ، ويدي الأخرى تحملُ القطةَ الجميلةَ .
– لايوجدُ أحدٌ ، تتلفَّتُ أم لا ياهاني ، البناياتُ مغلقةٌ ، البابُ لاحراسٌ ولاشئ إلا الخوفَ والبردَ الخفيفَ ، هناك شخصٌ اسودُ البشرةِ ، وثيابهُ سوداءُ ، وقطَّتهُ سوداءُ اللَّونِ مثله !!
– حليقُ الرَّاسِ شديدُ بياضِ الأسنانِ ، يبتسمُ بشدَّةٍ لقطَّتي البيضاء ، سألته كي أشغله عن أفكارهِ إنْ كانتْ سيئةً :
– هل شاهدتَ شخصاً ضخمَ الجثَّةِ ، هندامه جميلٌ ، وممسكٌ بعكازٍ مرصَّعٍ بألماسٍ ، وثلاثَ شبَّانٍ طولهم متساوٍ أحدهم يقظمُ أظفارَه ، والآخرُ ينتزعُ شفتَه السُّفلى اليابسةَ ، والأخيرُ يتلفَّتُ كثيراً ؟
– ردَّ عليه الشخصُ الغريبُ بعد أن وقفَ :
– أنا أعرفُك !! أنت هاربٌ من غرفةِ السَّطحِ ، ووالدك وأبنائه ينتظرونك وسط الجسرِ المنحني تحيَّةً لنهرِ المدينةِ الوحيد ِ.
– ردَّ عليه بسرعةٍ ، وكأنَّ جوابه جاهزاً :
– أنا لاأعرفك ، ولا أعرفُ ابي ولا إخوتي الثَّلاثةَ ، لذا انا أبحثُ عنهم ، وعن الجسرِ الَّذي تركني !!
– ضغطه النَّفسي يزدادُ ، والأكلانُ يزدادُ كذلك ، يحتاجُه في الواقعِ ، فهو لايرى أحداً أمامه بعد خروجه من غرفته ، لن يشتكيَ لمجرَّدِ الشَّكوى ..
– قالها ، وضحك ضحكاً متواصلاً ، وعصابيًّا يتحرَّكُ ، وتتحرَّكُ وراءَه قطَّته السَّوداءُ ..
– يشبهه بالملامحِ والروحِ استغربُ من هذا ، هل انا في حلمٍ تفاصيله مغسولةٌ بحيرةٍ وألغازٍ ؟!
– إشاراتُ المرورِ مطفأةٌ على طول الشَّارعِ ، منتهى أمله أن يجدَ مطعماً لقطَّته ثم يكملُ سيرَه .
– لاتبكِ ياابي ، فأنا في الطَّريقِ الصَّحيحِ ..
– قطَّته تأكلُ من طبقهِ المثلَّثِ بشراهةٍ ، الآنَ هيَّا أصدقائي..
– اقتربَ بحذرٍ من الجسرِ خوفاً من سيَّارةِ هائجٍ أو مريضٍ .
– لم يشعر باحدٍ ، توسَّطَ الجسرَ فقط أربعةَ كراسي :
– كرسي الأب الفاخر بحريرِهِ البنفسجي ، وباقي كراسي الصَّالة في بيتِ نيرون قبلَ الحريقِ .
– لابد أن أكونَ الأوَّل ، وأدافعُ عن نفسي : أقولُ لا أو نعم ..

(3)
– خطوطُ الإطاراتِ كأنَّها خطوطاً لِّلوحة بيكاسو لاتفهمُ .
– قرَّبَ الحقيبةَ لحافَّةِ الحاجزِ ، وفتحها فطارت الملابسُ كالأوراقِ الَّتي تستقبلها الريحُ القاسيةُ .
– أعاد إغلاقَها ، واسندها برفقٍ وحنانٍٍ بجانبِ حاجزِ الجسرِ البنيِّ مدهونٍ بشكلٍ سليمٍ لاشقوقَ ولامخوشَ ..
– نظرَ إلى قطَّتهِ الحزينةِ ، فقفزتْ إلى ظهرِ الحقيبةِ ثم الحافَّةِ انتهى أمرها بثوانٍ ..
– بطرفِ عينهِ قالَ لجلال :
تكلَّمْ قبلَ الخلاصِ ، ضربَ عكَّازَهُ المدبَّبَ على الأرضِ ، وقالَ :
– بإمكانك أن تعيشَ مثلهم لكن أنتَ الجاني على نفسِك ، تريدُ الحياةَ بين الامواتِ ، وأنا أريدك ميتاً بين الأحياءِ !!
– وقفَ للمرَّةِ الأخيرةِ ، ونظرَ إلى والدهِ ، وإخوانهِ الصَّامتين بطقوسِهم المريضةِ ..
– كافكا ماهو أرجل منِّي
– اختفى صوتَه..صوتَ أمِّه ..وبقي صوتُ والدِهِ والآخرون يلعلعُ بفرحٍ شديدٍ !!

مايو 26th, 20181168

اكتب تعليق