أولاد كريم والمجنون
الكاتب : ناصر ناهي الشمري

(قرويٌّ بسيطٌ.. أحلامهُ بسيطهٌ.. حبُّه بسيطٌ.. يتلقَّى صدماته بقلبٍ مفتوحٍ ..ينعمُ دفئاً بليلِه القصيرِ ..يعشقُ اللََّّيلَ ورائحةِ الحطبِ .. عائلتُه ليست بالكثيرةِ حتى دهمه أمرٌ لامفرَّ منه )

– فجرٌ صيفيٌّ جميلٌ يذكِّرُ كريمٌ بجوِّ القريةِ الطَّاهرِ بعد نهايةِ صلاةِ الفجرِ عندما يصرخُ بصوتٍهِ الجهوريٍّ الجميلِ :
القهوةُ للفاضي ..
– حادُّ التَّقاطيعَ ذو حاجبين كثيفين ، يدلُّ شعره الأبيضَ على أنَّه كبيرٌ بالسِّنِ رغمَ أنَّ عمره بالثَّلاثينِ ..
– صبرٌ جميلٌ والله المستعان ..
– كرَّرها كريمٌ ، وهو يأخذُ قرنَ فلفلٍ ، ويمضغهُ مع قطعةِ خبزٍ صغيرةٍ مغموسةٍ بالفولِ ..
– قالت زوجتهُ بعدَ أن انحدرتْ دمعةٌ كبيرةٌ على خدِّها :
– إلى متى أصبرُ على البيتِ الشَّعبيِّ ، والسُّقوفِ المثقوبةِ وقتَ الشِّتاءِ ..
– على إحراجِ أبنائي لااحتاجوا مصروفاً للمدرسةِ .
– أمس أحرجَ مدرِّسُ الرِّياضةِ ولدي ، والسَّبب ماجاب لباس الرياضة .
– أولادُ كريمٍ ليسوا كدرج السُّلمِ بل الفرق بينهم بالطُّولِ سنتمتراتٍ بسيطةٍ .
– يضحكون مع بعضٍ ، ويبكون مع بعضٍ ، ودائماً يقولُُ كريمٌ عن زوجتهِ :
نكَّادةً…بيَّاضةً !!
– يافتاح ياكريم ..قالَ كريمٌ : خلِّينا نبلع هالفول بلا نكد على الصُّبح ..
– كلامٌ مؤلمٌ تقريباً في أغلبِ صباحاتِ كريمٍ ، يسمعه من زوجتِه ، فالمرأةُ تصبرُ على كلِّ شئ إلا الفقرَ ، ولايقتلُ المشاعرَ مثلَ الفقرِ .
– اسمه كريمُ عبدِالنَّاصر سوَّاقُ التَّاكسي ، تركَ قريته بحثاً عن لقمةِ العيشِ ، أغلقَ بيتهُ ، ووصَّى قريبه محسنَ على حقلهِ ، وذهبَ ..
– أهمُّ شئٍ يامحسنُ الأشجارُ لاتغضبُ علينا من العطشِ ، اتركِ البيتَ البيت جماد أقصى حدٍّ أن يمتلئَ بالغبارِ والصدأ ..
– قالَ محسنٌ متحسِّرًا : حرامٌ عليك المزرعةُ تاكلُ من ورائِها لقمةَ عيشٍ أنت وأهلك .
– الأرضُ ببلاش ، والبنكُ الزِّراعيُّ كريمٌ معكَ ، أعطاكَ قروضاًً ميسَّرةً ياكريمُ ..
– تذكرتُ تلك الليلةَ ، وأنا مع محسن ، مقمرةٌ الليلةٌ جميلةٌ برائحةِ الأرطى ، ليتني سمعتُ نصيحته ..
– ينزلُ بسرعةٍ بعد أن اخبرَ زوجته : لابد من غيابهم اليومَ أو عدةَ أيَّامٍ حتَّى أوفرَ مايحتاجوه ..
– مسحَ ظهرَ وجوانبَ سيَّارته بيدهِ من الغبار – يسمِّيها أطفالُ الزِّقاقِ الصَّفراءَ أمِّ كنداسة – يسيرُ ببطءٍ بالشَّارعِ العامِّ ، يتلفَّتُ بلهفةٍ ، وهو يشاهدُ كلَّ شخصٍ يرفعُ يده حتَّى ولو حكَّ أذنه يركِّزُ عليه ظنًّا منه أنَّه يؤشرُ ..
– مستغرقٌ في التَّفكيرِ ، الشَّمسُ بدأتِ تنشرُ لهبها على كلِّ الوجوهِ ، طبقاتٌ من البخارِ الحارِّ على الشَّوارعِ .. البيوتِ.. الزِّجاجِ ، وعلى ظهرِ ، وإبطِ ، ونقرةِ عينيِّ كريمٍٍ ..
– يعني اقتربَ الظُّهرُ ، ولم يستفتحْ مالعملُ ؟ توقَّفَ على جانبِ الرَّصيفِ ، وهو يتساءلُُ مالعملُُ ؟

– فاضي ياأخ ..
– انتبه من وسوستهِ وتفكيرهِ بلا شعورٍ بعد أن طافَت في ذهنهِ قصصاً من خواطرَ اليأسِ :
– سمْ ..نعم.. على وين ؟
– أرجوكَ أحتاجُ الصَّرافةَ للسَّحبِ ..
– لكن أنا لا أعرفُ مكانَ الصَّرافةِ .
– أسمرُ اللَّونِ أنيقٌ يلبسُ ثوباً أبيضَ ، لايوجدُ على وجههِ لاشاربٌ ولا لحيَّةٌ .
– فرصةٌ أجدُ احداً نظيفاً وأنيقاً أتحدَّثُ معه :
– تصدِّقُ ياولدي غيَّبتُ أولاديَ عن المدرسةِ بسببِ المصروفِ حين قلتَ : الصَّرافةَ تذكَّرتُ حاجتي للنُّقودِ .
– كريمٌ يحسُّ بوحشةٍ ووحدةٍ تطبقُ على صدرهِ من جديدٍ .
– يحتاجُ لأحدٍ حتَّى يفضفضُ فيرتاحَ لو قليلاً .. وحشةٌ هائلةٌ لاحدودَ لها ..
– قالَ له الزبونَ بمللٍ :
– أممم طيِّب ، أنا اعرف مكانها يلاَّ بسرعةٍ ..ركبَ وانطلقَ كريمٌ ، وهو يسمعُ : يميناً ..شمالاً حتَّى وصلَ إلى بيتٍ قديمٍ أبيضٍ بابه الوحيدَ بالوسطِ ، ويوجدُ نافذتان مرتفعتان الأولى إلى يمينِ البابِ والثَّانيةِ يسارهُ ، وفي الأعلى شجرةٌ كبيرةٌ أظنُّها من أشجارِ السِّدرِ المعمَّرةِ ، يخرج رأسها من السطح..
– متأكد ياولدي ، لاأرى صرافةَ بنكٍ هنا ..
– لحظة ، ولاتتحرَّك راجع دقائق ، وسأعودُ ..
– استعاذ كريمٌ من الشيطانِ ، وتلعثمَ :
– الباب مفتوح ، والبيت يشبه وجه إنسان بلا أنف !!
– انتظر كثيراً في السَّيَّارةِ ، مللٌ وقرفٌ ، الرَّجلُ لم يخرجْ من البيتِ حتَّى عدَّادَ الكهرباءِ قديمٍ تلعبُ في جوانبهِ بيوتَ العناكبَ تغدو وتروحُ غير أعشاشِ العصافيرَ ..
– في ساعتهِ المملَّةِ ينتظرُ انتبه لرجلٍ ويبدو كبيراً بالسِّنِ ، يلبسُ شماغاً ، وعلى راسهِ قطعةٌ تشبه العقالَ الأببضَ :
-السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهِ ..
– وعليكم السَّلام ..
– ولدي : ليه واقف عند البيت هذا بالضَّبطِ..
– جابك الله فيه واحد دخل هنا ، ولا طلع ، ولا أعطاني أجرتي ..
– أيُّ أجرةٍ ، وأيُّ واحدٍ ، روِّح بسرعة ، هذا بيتٌ مسكونٌ قالها بسرعةٍ وبخوفٍ ثم ذهبَ مستنداً على عكَّازهِ ناحيةَ المسجدِ ..
– عزالله استفتحنا !!

– تشجَّعَ وتوكَّلَ على اللهِ مع البسملةِ والحوقلةِ والمعوذاتِ ، دخلَ حذراً ، ورأى مدخلاً طويلاً ينتهي ببابٍ آخرٍ فتحه واستمرَّ بالمشي ، وجد باباً آخراً نفس البابِ السَّابقِ لوناً وشكلاً .
– أخيرا ظهرت شجرةٌ كبيرةٌ بسياجٍ صغيرٍ قريبٍ من جذعها ، وبجانبها بئراً جافًّا ، صاحبه واقفٌ أمامَ الشَّجرةِ كأنَّه يدعو ، جامعاً كفيه لبعضهما ، تنحنحَ لعلَّه يلتفتُ إليه لافائدة .
– اقتربَ ولمسَ ظهره بأطرافِ أصابعهِ حينها التفتَ إليه كانت عيناه بيضاءَ ، ولكنَّه يرى بشكلٍ جيِّدٍ .
– الدَّليلُ على ذلك مدُّه ليدهِ للسَّلامِ على كريمٍ ثم أطلقها ، وعادَ لحالتهِ السَّابقةِ ..
– ياصاحبي أنت ماعطيتني أجرتي ، وأنا مغيِّب أبنائي لأيامٍ أريدُ أوفِّر لهم حاجتهم .
– قالَ له ، ووجهه جهةَ الشَّجرةِ :
– لاتهتمَّ صاحبي ، أنا لاضاقت عليَّ جئتُ هنا علشان أشكو حالي لأمِّي عندها أشعرُ براحةٍ كبيرةٍ .
– انظرْ اضعْ كفِّي على قلبِ أمِّي ، وأسمعُ نبضاتِ قلبها جرِّب ..
– رفعَ يده ، وامسكَ بكفِّ كريمٍ ، ووضعها على قلبِ الشَّجرةِ.. أرجوك عدَّ معي :
واحد…أثنان..ثلاثة ..

– أحسَّ كريمٌ باختلالِ عقلهِ ، وهمسَ بألمٍ حادٍّ :
– حظٌّ زفت بلاني الله بمختلٍ عقليٍّ .
– عادَ من طريقهِ ، والتَّعبَ ينهشُ جسدهُ .
– ركبَ السَّيَّارةَ ، كانَ الوقتُ بعد صلاةِ العصرِ ، الصَّلاةُ لم يؤدها ..
– وقفَ عندَ أقربِ مسجدٍ ، وصلَّى فريضةَ العصرِ متأخِّراً ..أيامهُ متشابهةٌ ، وهمُّ أولادهِ الثَّلاثةِ يقضُّ مضجعهُ ..
– يشعرُ بحنينٍ فاجعٍ يمزِّقُ قلبه ، ولا يدري ماهو ، أهو حنينٌ لقريتهِ البكرِ اليتيمةِ ، تلوِّثها قذارةُ المدنِ أم ماذا ؟
– رفعَ يديه لله الواحدِ يدعو ويدعو بصدقٍ ، لاحظَ مصحفاً بدرجِ المصاحفَ لكنَّّه مغبرٌ ، مسحه بطرفِ كمِّهِ ، قبَّله وقرأَ هذهِ الآيةَ (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذريةً ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً) س /النِّساء..

– لم يعدْ قادراً على التَّحمُّلِ والعملِ إلى البيتِ هذهِ المرَّة لن ادخلَ في لجَّةِ أحلامي غريقاً ..
– إشارةٌ حمراءُ ، طويلٌ الوقتُ ، يتحسَّسُ بأصبعهِ السَّبَّابةِ مكانَ المسمارِ الَّذي عبثَ بهِ ابنه الصَّغيرُ ، وأخرجَ الأسفنجَ من مرتبةِ السَّيَّارةِ .
– سامحني يابنيَّ ، فقد عبثَ بي الفقرَ والحاجةَ ، ضربتك بكلِّ أصابعي ، وأنا اسمعُ صرختك الآنَ ، فسامحني مرَّةً أخرى ، ليتني لم أهاجرْ من قريتي ، واتركَ العصافيرَ والطِّيورَ الَّتي لم تعدْ تقف على أشجارِ حقلي ..

– بجانبِ الإشارةِ يجلسُ صاحبي المجنونُ ، قالَ بعد ان اقتربَ من بابِ السَّيَّارةِ :
– خذْ أجرتكَ مع أنَّك لم تصحبني للصَّرافةِ ، كانتِ النٌّقودُ أوراقاً مرسومةً بألوانٍ زيتيَّةٍ !!
– بيته الشَّعبيُّ في حيِّه القديمِ يترآءى له .
– صعدَ عتبةَ بابهِ ، بعدَ دقيقتين كانَ يقفُ بالقربِ من فراشِ زوجتهِ ، يدها اليمنى مسدولةً ينامُ عليها طفلٌ ، واليسرى ينامُ عليها الثَّاني والثَّالث ..وجهها باردٌ لاحياةَ فيه قميصُ نومها قديمٌ ..
– يسمعُ غطيطهم ، احدهم عليه فانيلةً بها بقعةً على هيئةِ الهلالِ .
– يتكوَّمُ من الحزنِ :
– لم استفتحْ بشئٍ إلا بنقودٍ مرسومةٍ بألوانً زيتيَّةٍ ومن مجنونٍ !!
– يرتدي ملابسه بمهلٍ ..عتبةَ بابهِ..السَّيَّارةُ تسيرُ ، هو كالمجنونِ يبحثُ عن مجنونهِ !!
– يقفُ عندَ صرَّافةِ أحدِ البنوكِ المشهورةِ .
– مكانُ دخولِ البطاقةِ أسودُ من كثرةِ اللََّمسِ ، يقرأُ ورقةَ الرَّصيدِ ، فيجدُ هذهِ العبارةَ :
– رصيدك الحالي : 0

يوليو 23rd, 20181476

اكتب تعليق