فرحة الحلاَّق مسعود
الكاتب : ناصر ناهي الشمري

– حينما عادَ مسعودْ البصريُّ من محلِّ الحلاقةِ تذكَّرَ أنَّ شفرته الحديديَّةِ ، والمقصِ لم يطهرهما بالدِّيتولِ ، فأظهرَ بعضَ الامتعاضِ خاصَّةً أنَّ يومه ثقيلٌ ، فقد جرت محادثةٌ بينه وبينَ مراقبَ محلاَّتِ الحلاقةِ :
– لابدَّ من تغييرِ شفرةِ الحلاقةِ الحديديَّةِ ..
– لكن هذهِ قديمةٌ وتراثيَّةٌ وارثها من الوالدِ المرحومِ ..
– النظامُ لايجيزُ استخدامها احتفظْ بها أو تدري أهدها لمتحفِ المدينةِ التُّراثي !! ..
– حلاقته بالدَّينِ لأهالي زقاقِ البصريِّ ، ضحكَ وهو يعلِّقُ ثوبَ الحلاقةِ الأبيضِ ، هي غرفةٌ بجانبها حمامٌ صغيرٌ ومغسلةٌ متسخةٌ بسوادٍ على أطرافها ، يفصلها عن بابِ الغرفةِ جدارٌ من الخشبِ .
– في زاويةِ الغرفةِ طاولةٌ عليها دافورٌ قديمٌ وابريقٌ من المعدن ِ ، جوانبه مسودَّةٌ يكفي لكوبٍ يتيمٍ واحدٍ ..
– قرفُ مسعودٍ متساوٍ مع فرحهِ ..
– صداعه الخفيفُ على موعدٍ مع كوبِ الشَّايِّ الأسودِ .
– جلسَ بهدوءٍ يتابعُ الأخبارَ من تلفازٍ قديمٍ تعيشُ قناتيهِ على الأريلِ المزروعِ فوقَ غرفتهِ المقامةِ بالسَّطحِ اصلاً..
– احسَّ مسعودٌ بأصواتِ أقدامٍ تقتربُ مع سبٍّ ولعنٍ واضحين من لسانِ أبي صلاحٍ الكريه ..
– طرقَ البابَ بشدَّةٍ ، وهو يسعلُ ويتنفَّسُ بصعوبةٍ بسببِ إدمانهِ على الأركيلة ، ويحدِّثُ نفسه : حمَّام وجنب الغرفة ، الله يقرفه ..
– على سريرِالغرفةِ الوحيدِ جلسَ بعد سعالٍ خفيفٍ قال :
– اسمعْ مسعود لك مدَّةً وأجار الغرفة مادفعته ، وأنا أعوذُ باللهِ من كلمةِ أنا ، صبرت عليك اكثرَ من مرَّةٍ ياحلاَّقُ الزِّقاقِ البصري ..
– تصدِّق أبوصلاح ممنون لصبرك عليَّ لكن المحل عايش بالدَّين لأهلِ الزِّقاقِ ، بعضهم يدفعُ ، والأكثرُ على نهايةِ الشَّهرِ .
– يعني لاظهر ولابطن من هالمحل ..
– آبوصلاح ماأظن غرفة بالسُّطوحِ تحتاج منَّك هالحرص ، يكفي العمارة وشققها الكثيرة..
– قل أعوذ بربِّ الفلقِ ، تدفع ولاَّ شلون ..
– أراحه ببعضِ الأعذارِ ، وأعطاه أبو صلاح مهلةً لبعدِ غدٍ أو يضطرُّ أن يحجزَ على المحلِّ وأدواتهِ الثُّراثيَّةِ بدءاً من شريطِ المسنِّ ..شفراتِ الحلاقةِ إلى شنطةِ والدهِ الجلديَّةِ المحتويةِ على أدواتِ الحجامةِ ، ووصفاتِ أدويَّةٍ عشبيَّةٍ ، وحديدةِ كيِّه الشَّهيرةِ ..
– في الصَّباحِ استيقظَ مسعودٌ البصري لم يتناولْ إفطاره المعتادَ بسببِ المرارِ الَّذي يحسُّ بهِ في لسانهِ ..
– نزلَ من السَّلالمَ الكثيرةِ ..عتبةِ عمارةِ أبي صلاح .. مروراً بعربيَّةِ الفولِ والفلافلَ ..
– استغربَ صاحبها من تجاهلِ مسعودٍ له ..
– عندما كانَ يسترخي على كرسيِّ والدهِ الحلاَّقَ والطَّبيبَ ، يشعرُ بأحلامهِ تتجذَّرُ من روحهِ..
– حلمه الجميلُ ، محلُّ حلاقةٍ فخمٍ ، بلاطه بورسلان ، وكراسيُّه من آخرِ الموديلاتِ ، مقسَّمٌ المحلِّ لحجراتٍ ذاتِ ديكورٍ جميلٍ ، شفراتُ حلاقتهِ مغلفةٌ تستعملُ لمرَّةٍ واحدةٍ ، تحتَ إمرتهِ عمالٌ ، وهو الملكُ يأمرُ وينهى بل تعوَّدَ تماماً على أحلامِ اليقظةِ وكأنَّما يفتتحُ المحلَّ ، ويقصُّ شريطه – مع فلاشاتِ الكاميرا الّلاَّمعةِ – رئيسُ نقابةِ الحلاَّقين .
– لاشكَّ أنَّ للحلمِ قيوداً كثيرةٌ قد لايتحمَّلها عقلُ وقلبُ مسعودٍ ..
– انتبه مسعودٌ على صوتِ صبيِّ القهوةِ وجعيرهِ النَّشازِ :
مسعودُ البصريُّ مسعود..
– قفزَ من الكرسيِّ ، وخرجَ إلى صاحبِ الصَّوتِ :
– أنا ماأرتاح إلاَّ إذا سمعت صوتك النَّشاز ..خير ولاَّوجهك مايجيب الخير !!
– ممنون أنا ، وتمون يا مسعود ، واحد يبغاك جالس على القهوة ، ياه ..ملابسه كأنَّه مال الحكومة أو كذا ظنَّيت ..
– اجتمع مسعود بالشَّخصِ الأنيقِ : أيُّ خدمةٍ أنا مسعودٌ حلاَّقُ زقاقِ البصري ..
– هفَّ بيدهِ البيضاءِ ذباباُ يلاحقُ وجهه ، وقالَ :
– أنا مراقبُ صوالينِ الحلاقةِ ، وهناك شكوى عليك من بعضِ الأشخاصِ في هذا الزقاقِ بالضَّبطِ بانَّك تهملُ نظافةَ المحلِّ .
– صراصيرُ وشعرٌ منتشرٌ في أرضيَّةِ محلِّك كما أنَّ شهادةَ النَّظافةِ ممزَّقةٌ وغيرُ واضحةٍ على الجدارِ وو..
– كلُّ شخصٍ اشتكاني ، فأنا أطلبه نقودَ حلاقتهِ بالدَّينِ ..
– ممكن لوسمحتْ تذكرُ اسماءَ من اشتكوني ..
– الصَّدمةُ تنهشُ قلبَ مسعودٍ ، كلُّ الاسماءِ فعلاً قد حلقوا عنده بالدَّينِ !!
– انتهت مقابلته مع المراقبِ ، محله المغلق يزهو بالشَّمعِ الأحمرِ ، وعليه ورقةٌ مربَّعةٌ مكتوبٌ عليها : اُغلِقَ لعدمِ تنفيذهِ الاشتراطاتِ الصِّحيَّةِ ..
– بعدَ صعودهِ السَّلالمَ الكثيرةِ حيثُ رفضَ أبوصلاح إصلاحُ الأسانسيرَ إلا بعد أن يتبرّعَ المستأجرون ، وقالَ : من أرادَ الرَّاحةَ يدفعُ براحةٍ !!
– علَّقَ ثوبَ والدهِ الأبيضَ الشَّبيهَ بثيابِ الأطبَّاءِ ، واستلقى على سريرهِ الخشبيِّ صاحبِ السِّنينِ الكثيرةِ معه لولا الشَّيخوخةُ الَّتي أصابت مفاصله ، لدرجةِ إطلاقهِ لأصواتٍ مع تحرُّكِ مسعودٍ من جهةٍ إلى أخرى ، فالأرقُ يعرفُ طريقه إليه ، وإلى هذا الزِّقاقِ البائسِ بذبابهِ ، ونامسهِ ، وقططهِ النَّحيفةِ الَّتي تتحلَّقُ حولَ براميلَ القمامةِ هذا إن وجدت شيئاً .
– صداعهُ ، و الامُ مفاصلهِ ، وتعرُّقه الشَّديدُ من صعودهِ للسَّلالمَ يمهِّدُ لنعاسٍ تعبٍ يداعب اجفانه :
– في نومهِ رأى نفسه أمامَ مرآةٍ كبيرةٍ أمَّا خلفه فوالدهِ الميِّتِ بثيابهِ البيضاءِ يبتسمُ ، ويقولُ له :
– بماذا تحلمُ يامسعودُ ؟
– أحلمُ ياوالدي بمحلٍّ راقٍ جميلٍ له فروعٌ كثيرةٌ ، وأحسُّه بعيداً ، ولولا الأملٌ يصرعُ اليأسَ عندي لما حلمتُ بهِ..
– ستنالُ مرادك يامسعودُ ..اختفى دخانه بعدها…
– استيقظَ ، وهومتعرِّقٌ وقلبه ينبضُ بشدَّةٍ ، والبابُ يطرقُ مع اللَّعناتِ المستمرَّةِ.. افتح يابصري :
– أبوصلاح ..صباح الخير تفضَّل ..
– هلا عيني ..
– قال بينه وبين نفسه : (هلاعيني ) فيه شي يالله تحقِّق حلم والدي ..
– اسمعْ مسعود أنا اتمنَّى اخدمُ الحيَّ هذا ، ودِّي لو تساعدني إنت لك شعبية في نفوس أهالي الحي .
– يكفي إنَّك تحلقُ لهم ببلاش او بالدَّينِ ولاتشتكيهم ..
– عيني أبغاك تؤثرُ عليهم ينتخبوني ، وابشر بسعدك ، ولاتهتم لا على أجار ولا سلف .
– إنت تامر أمر أبوصلاح بس لي اطلب طلب واحد ..
– سمْ عيني ..
– الأسانسير ابوصلاح ، وهم الأجار تخفضه شوي عليَّ ، وعلى المستأجرين .
– غيره مسعود أفندي ..
– شكوى المحل المقدَّمة من الأهالي ..
– لاخلاص سحبتها منهم ..
– ممنون لك (أبوصلاح) اعتبر الأصوات في جيبك ..
– فاز أبوصلاح بانتخابات النَّقابة ، وأصبحَ رئيساً لنقابة الحلاَّقين ، ومسعود نائباً للرَّئيس .
– بعد المحلِّ الصَّغير الآن مساحته كبيرةٌ ، مقسَّمٌ إلى أكثر من كرسيٍّ ، لوحته كبيرةٌ مكتوبٌ فيها :
– محلُّ مسعودٍ للحلاقةِ رقمُ واحدٍ ، اكثرَ ماكانَ يؤثرُ على نفسِ مسعودٌ هي أدواتُ والدهِ الَّتي أوصاه عليها لدرجةِ أنَّه كانَ يضمُّها لصدرهِ كلَّما طالت المدَّةُ والشَّنطةُ مقفولةٌ ..

– لم تطلْ رئاسةُ أبي صلاح ، آخرُ الأخبارِ المفرحةِ لقلبِ مسعودِ البصري .
– تمَّت إدانةُ أبي صلاحٍ رئيسِ النِّقابةِ بالاختلاسِ من الصُّندوقِ ، وتمَّ التَّحفُّظُ على مبنى النِّقابةِ ، وعلى مسعودٍ كذلك باعتبارهِ النَّائبَ..
– الغرببُ ابتسامةُ مسعودٍ البصريِّ بالمحكمةِ الَّتي اغضبتِ القاضيَ ، فسأله :
– لماذ تضحكُ يامسعودُ ؟
– كلَّما تذكَّرتُ طريقةَ القبضِ عليهِ في بيتهِ عند زوجتهِ الرَّابعةِ أفرحُ لكن خسارة ..
– ردَّ مسعودٌ على القاضي مرَّةً أخرى ، وهو ينظرُ إلى أبي صلاحٍ :
– سيخرجُ لامحالةَ أمَّا أنا فتكفيني فرحتي بشنطةِ أبي !!
– أخَّرَ القاضي الجلسةَ ليومٍ ثانٍ ريثما يستدعي الطَّبيب النَّفسي ليفحصَ حالةَ مسعودٍ البصري .
– صرخَ حاجبَ المحكمةِ بقوَّةٍ : محكمة ، فهبَّ الجالسون وقوفاً ماعدا مسعود .
– بعد المداولةِ وتكلَّم القاضي مع زميليهِ :
– أعلنُ براءةَ رئيسِ النَّقابةِ – عدد المحامين ودفوعاتهم يجبرُهُ على ذلك – لذا حكمتُ بالآتي :
– ستنالُ عقوبتك يامسعود !!
– قالَ مسعودٌ : أخ… خسارة ياوالدي لم يتحقَّقْ حلمكَ..

– المكان : زقاقُ البصريِّ الحزينِ ..
– المشهدُ الأوَّلُ : بعدَ خروجهِ من السِّجنِ ، وخسارتهِ لمحلاَّتهِ تكادُ العيونُ تدمعُ ، وهيَ تشاهدُ مسعوداً يمتلئُ وجههُ بالشَّعرِ ، وقد ربطَ موسَ الحلاقةِ القديمِ بخيطٍ ، وعلَّقه فوقَ رقبتهِ ، بيدهِ اليمنى شنطةُ والدهِ الجلديَّةِ ، يأكلُ ماتأكلهُ القططُ أو مايحسنُ عليه صاحبَ الفولِ والفلافلَ .
– يرمي الأطفالُ المطاردين له ..الصَّارخين عليه ::
– الحلاقُ المجنونُ .
– الحلاقُ المطرودُ .
– المشهدُ الثَّاني : بعدَ برآءةِ أبي صلاحٍ شوهدَ للمرَّةِ الأخيرةِ بالمطارِ لابساً أجملِ الثِّيابِ ، يوزِّعُ الابتساماتِ على موظَّفي المطارِ بعدَ أخذِ السِّلفي معه ، فهو شخصيةٌ مشهورةٌ ، أليس هو رئيسُ نقابةِ الحلاَّقين السَّابقَ ؟
– النَّتيجةُ : لم تتمَّ فرحةُ الحلاَّقِ مسعودٍ ، وتمَّتُ فرحةُ أبي صلاح .
– خرجَ ولم يعدْ .
– إلى أينَ ؟
– الله وحده يعلم ، العقبى لمسعود البصري أيضا!!

( هذهِ لي : أعشقُ اكتمالَ القمرِ ، ولكنِّي لستُ مصَّاصَ دماءٍ ، فأنا أعطي من دمي الشَّئ الكثيرَ ..)

أغسطس 7th, 20181401

اكتب تعليق